هل نغرق؟

/

/

هل نغرق؟

هل نغرق؟

هل نغرق؟ مأساة المطر بين الفرح والخذلان

في يوم الجمعة الموافق 7 مايو 2010، كتب الكاتب نصًا مؤلمًا وصادقًا بعنوان “هل نغرق”، يرسم فيه مشهد الرياض وهي تغرق في لحظة كان يُفترض أن تكون لحظة فرح. كان المطر في بدايته رقصة حياة، لكنه تحوّل في لحظة إلى مأساة، إلى صرخة ألم صادرة من قلب المدينة التي لم تتوقع أن تتحول فرحتها إلى فاجعة. لم يكن السؤال “هل نغرق؟” مجرّد تساؤل عابر، بل كان صرخة وعي تُدين الفساد والإهمال، وتطالب بمحاسبة كل من جعل من مطر الفرح مأتمًا.

المطر الذي كشف المستور

الرياض، المدينة التي طالما تغنّى بها الشعراء، سهرت فرحةً بقدوم المطر، ورقصت شوارعها على أنغام الغيث المنتظر، لكنها في لحظة انقلبت من مدينةٍ للحياة إلى ساحةٍ من الغرق والفوضى. هذا التحوّل المفاجئ جعل الكاتب يطرح تساؤله الكبير: هل نغرق؟ ليس فقط في الماء، بل في التقصير الإداري، وفي ضمائر مقاولين غابت عنها الأمانة.

لقد أظهرت مياه المطر ما كانت تخفيه الطبقات السطحية من الإهمال وسوء التخطيط، وفضحت مشاريع لم تُنفذ بإتقان رغم الدعم والجهود المعلنة. كان المشهد موجعًا: سيارات تغمرها المياه، عائلات تُحاصرها الأنفاق، وأحياء كاملة تئن من سوء التصريف، في مدينة يُفترض أنها قلب التطور.

حين تتحول فرحة المطر إلى مأساة

يقول الكاتب إن الرياض التي كانت “آه ما أرقها تالي الليل” أصبحت “آه ما حزنها”، في عبارة تختصر كل شيء. المطر الذي انتظرناه كرحمة، صار امتحانًا قاسيًا للأمانة والضمير. لم يكن الغرق قدرًا طبيعيًا بقدر ما كان نتيجة إهمالٍ متراكم، وفسادٍ هندسي وإداري سمح بأن تتحول الشوارع إلى أنهار، والأنفاق إلى مصائد موت. وهنا يتكرر السؤال الجوهري: هل نغرق؟ أم أن ما يغرق فعلاً هو إحساسنا بالمسؤولية؟

الكاتب لا يكتفي بوصف المأساة، بل يسلّط الضوء على المفارقة العجيبة بين جهود القيادة وممارسات المقاولين. فبينما يتابع الأمير سلمان — آنذاك — كل التفاصيل بدقة، كانت بعض الشركات والمقاولين يتعاملون بلا ضمير، وكأنهم في سباق لإنجاز شكلي لا لحماية الناس. هذا التناقض بين العمل المخلص والتهاون هو ما جعل النص مؤلمًا، واقعيًا، ومشحونًا بالأسى.

المواطن البسيط .. البطل الحقيقي

وسط هذا المشهد القاتم، يظهر الأمل في سطور الكاتب حين يشيد بالمواطنين الذين نزلوا إلى الشوارع لينظموا حركة المرور، وينقذوا الغرقى، ويساعدوا المحتاجين. لم ينتظروا تعليمات ولا مقابلًا، لأنهم ببساطة أبناء الوطن الذين تشربوا حبّه من آبائهم وأجدادهم. هؤلاء الذين لم يسألوا “هل نغرق؟” بل هرعوا ليمنعوا الغرق بقدر ما يستطيعون.

إنهم الصورة الصادقة للمواطنة، حيث يغيب الانتهازيون ويظهر المخلصون. هذا المشهد البطولي الذي وثّقه الكاتب لا يقل أهمية عن النقد، بل هو تذكير بأن الوطن ما زال بخير ما دام في أبنائه نبض العطاء.

المسؤولية والضمير الغائب

تساؤل الكاتب “هل نغرق؟” لا يقتصر على الغرق المائي، بل يتعداه إلى غرق القيم والضمير. من المسؤول عن هذه الكوارث؟ من الذي سمح لمشاريع أنفاق غير مكتملة أن تُهدّد حياة الناس؟ من الذي منح عقودًا بملايين دون متابعة أو محاسبة؟
لقد تحوّلت المدينة إلى مرآة كاشفة تعكس فوضى المقاولات، وضعف الرقابة، وغياب الضمير المهني. والكاتب يصرّ على أن العقوبة يجب أن تكون علنية، لأن التهاون في حق الوطن جريمة لا يجوز السكوت عنها.

هل نغرق مرتين؟

حين يكتب الكاتب عبارته القوية: “لا أدري ما هي العقوبة القادمة لمن فعل ذلك بالرياض في ظل أميرها سلمان الحق، ولكن كلي أمل أن يكون مشهراً به”، فهو لا يكتب من غضبٍ شخصي، بل من إحساس عميق بالمسؤولية. لقد سئم المواطن من تكرار المشهد، من رؤية نفس الأخطاء تُعاد كل موسم مطر، ومن سماع نفس التبريرات الفارغة.
لقد آن الأوان — كما يوحي النص — لأن نكفّ عن الغرق مرتين: مرة في الماء، ومرة في الإهمال.

نداء للضمير قبل المطر القادم

إن نص “هل نغرق” ليس فقط تعليقًا على حادثة عابرة، بل تحذيرًا من المستقبل إذا لم تتغير الآليات والعقليات. إنه نداء للضمير قبل أن يهطل المطر القادم، نداء لكل مسؤول ومهندس ومقاول ليعلم أن الخيانة ليست فقط سرقة مال عام، بل إهمال حياة الناس.

فالكاتب لم يكن غاضبًا من المطر، بل من سوء الاستعداد له. المطر نعمة، لكنه يتحوّل إلى نقمة حين يُهدر بفعل غياب الضمير. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه بعد قراءة هذا النص هو: هل نغرق في المطر؟ أم نغرق في الغفلة؟


خلاصة

يبقى نص “هل نغرق” من النصوص التي تخلّد الموقف الوطني الصادق، وتفضح الإهمال دون خوف أو مجاملة. لقد استطاع الكاتب أن يحوّل فاجعة طبيعية إلى قضية وطنية كبرى، وأن يجعل من تساؤله عنوانًا لضمير الأمة.
فالغرق الحقيقي ليس غرق الشوارع، بل غرق القيم. وما دامت هناك أقلام تقول الحقيقة بهذا الصدق، فلن نغرق، لأن الكلمة الصادقة تظل طوق نجاةٍ في وجه الفساد والنسيان.

ولفهم العلاقة بين الشعر والمجتمع في صورها المختلفة، يمكنك متابعة نصوص مثل “نجومية المنبر” و “جمعية الشعر سراب”  و “الشعر جامعياً ، التي تسلّط الضوء على واقع الشعر الحديث وموقعه بين التعليم والجمهور والمنابر. 

هل نغرق؟

مقالات ذات صلة

مدارات التقت حامد زيد وهو على السرير الأبيض

السامر على قناة الواحة في حلقة خاصة

الشعر الشعبي بلاط جامعة الملك سعود

ماجد الشلهوب:طرح مساهة الياسمينة شمال الرياض السبت المقبل

في ليلة جمعت الشعر بالصحافة راديو وتلفزيون العرب يحتفي بالسامر

يا زبن لا تكتب بصفحة مدارات