المبدعون: بين وهج الكلمة وضجيج الألقاب
المبدعون في السعودية اليوم يعيشون بين وهج الكلمة وضجيج الألقاب، بين من يحمل الإبداع حقًا كرسالة، ومن يستخدمه كشعار. ورغم اختلاط الأصوات، يبقى الإبداع الحقيقي حاضرًا بقوته وصدقه في وجدان المجتمع، يعبّر عن فكرٍ راقٍ وثقافةٍ لا تذبل.
في يوم الجمعة الموافق 11 يونيو 2010، كان المشهد الثقافي يعيش حالة من الحنين إلى زمن الإبداع الحقيقي، زمن الكلمة الصادقة والفكر الناضج والموهبة الأصيلة. في ذلك الزمن، كان لقب المبدعون لا يُمنح إلا لمن يستحقه فعلًا، لمن ترك بصمته بجهدٍ ووعيٍ وموهبةٍ لا تُشبه سواها. كان اللقب يعني الكثير، ويحمل خلفه رحلة طويلة من الاجتهاد والتجارب والوعي الفني، إلى أن تغيّرت الموازين فجأة، وصار الإبداع عنوانًا يُمنح مجاملة، ويُقال عبثًا دون مضمون.
في الماضي، كان المبدعون نُدرة، تظهر أسماؤهم بين الحين والآخر كنجومٍ تضيء سماء الفن والأدب. وكان الوصول إلى هذا اللقب يعني أن صاحبه قد مرّ بمرحلة من النضج والتأمل والإنجاز، حتى استحق أن يُوصَف بالإبداع. أما اليوم، فقد بات المشهد مزدحمًا بالأصوات، بعضها يسطع للحظة ثم يخفت سريعًا، لأن الوهج الزائف لا يصمد طويلًا أمام وهج الموهبة الحقيقية. أصبح كل من يملك حسابًا على منصة أو جمهورًا مؤقتًا يُلقب نفسه بـ”المبدع”، وازدحمت الشاشات والمجالس والمناسبات بألقابٍ تُطلق جزافًا لا تمتّ للواقع بصلة.
الإبداع بين الأصالة والسطحية
لقد تحوّل مفهوم الإبداع من كونه حالة فكرية وجمالية عميقة، إلى مجرد لقب دعائي يُمنح لمن يتقن التجمّل أمام الكاميرا أو يجيد استعراض الكلمات دون مضمون. هذه الفوضى جعلت الكثير من المبدعين الحقيقيين ينسحبون من المشهد بصمت، إدراكًا منهم أن الضجيج لا يترك مساحة للصوت النقي. الإبداع الحقيقي لا يحتاج إعلانًا، ولا يسكن العناوين البراقة، بل يفرض نفسه بهدوءٍ كنسيمٍ لا يُرى ولكنه يُشعَر به في عمق الروح.
إن أزمة الإبداع اليوم لا تكمن في غياب الموهبة، بل في اختلاط المفاهيم. حين يصبح كل متحدث أو مقدم برنامج أو شاعر هاوٍ يُلقّب بـ”المبدع”، يفقد اللقب قيمته ومهابته. وحين تغيب المعايير، يختلط الغث بالسمين، وتضيع الأصالة بين موجات التقليد والسطحية. هذا ما يجعلنا نتساءل: أين ذهب المبدعون الحقيقيون؟ ولماذا تراجعوا عن الساحة؟
الجواب بسيط ومؤلم: لأن الساحة امتلأت بالضجيج، ولأن جمهور اليوم أحيانًا ينجذب إلى المظهر أكثر من الجوهر، وإلى الكثرة أكثر من الجودة. وهنا تكمن خطورة المرحلة التي يعيشها المشهد الثقافي والإعلامي معًا.
المبدعون الحقيقيون لا يصنعون الضجيج
إن الإبداع الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين أو بكثرة الظهور، بل بما يتركه العمل من أثر في الوجدان. المبدعون هم أولئك الذين يخلقون من الصمت معنى، ومن الكلمة حياة، ومن التجربة عمقًا يبقى في الذاكرة. أما ما نراه اليوم من تسابق على الألقاب فهو مجرد ضوضاء عابرة تُشبه فقاعاتٍ في فنجان، تبهج النظر لحظة ثم تختفي.
لقد أُفرغت كلمة “الإبداع” من معناها الجوهري حين أصبحت تُستخدم لتلميع الأسماء بدلًا من الإشادة بالمنجز. وحين يتحول الثناء إلى عادة مجاملة، تُصبح الكلمة بلا قيمة، ويفقد اللقب احترامه. ولهذا، نجد أن الكثير من المبدعين الحقيقيين باتوا يختارون العزلة أو العمل بصمت بعيدًا عن الأضواء، لأنهم يدركون أن القيمة الحقيقية لا تأتي من التصفيق، بل من البقاء.
الإعلام ودوره في تضخيم الألقاب
من الأسباب الرئيسة وراء هذا التدهور في المفاهيم الإعلام نفسه، الذي ساهم في تضخيم بعض الأسماء ومنحها ألقابًا لا تستحقها. لقد تحوّل بعض مقدمي البرامج أو الشعراء الهواة إلى “ملوك الإبداع” و”أساتذة الفن” فقط لأنهم يتصدرون الشاشة أو يتحدثون بصوتٍ عالٍ. هذا الانحراف في المعايير جعل اللقب وسيلة للترويج لا للتكريم، وأفقده هيبته التي كانت تُلهم الأجيال يومًا ما.
ورغم كل هذا، لا يزال الأمل قائمًا في عودة الوعي الثقافي والإعلامي، حين يبدأ التقدير بالمنجز لا بالشهرة، وبالعمق لا بالسطحية. حينها فقط سيعود المبدعون الحقيقيون إلى الواجهة، وسيختفي أولئك الذين يملأون الساحة كلامًا دون مضمون. فالإبداع الصادق لا يحتاج إلا إلى لحظة صدق مع الذات، وإلى جمهورٍ قادر على التمييز بين الزيف والحقيقة.
الإبداع باقٍ رغم الضجيج
رغم كل ما سبق، تبقى جذوة الإبداع مشتعلة في قلوب من حملوا الكلمة بإخلاص، ممن كتبوا وصنعوا وألهموا بصمتٍ لا يطلب الشهرة بل يطلب الأثر. فـ المبدعون لا يموتون، بل تتجدد سيرتهم في كل جيلٍ يعيد اكتشاف المعنى الحقيقي للإبداع. سيبقى الشعراء الحقيقيون والكتاب المخلصون هم الركيزة التي تحفظ للثقافة مكانتها، مهما غلبت الأصوات الزائفة ومهما تعددت المسميات.
خاتمة
الإبداع ليس شعارًا ولا لقبًا يُمنح على الهامش، بل هو مسؤولية فكرية وأخلاقية. والحق يُقال، إن ما نراه اليوم من فوضى في الألقاب إنما يُسيء إلى مفهوم الإبداع أكثر مما يخدمه. سيبقى اللقب الحقيقي محفوظًا لمن يستحقه، ولمن وهب الكلمة روحًا وجعل منها جسرًا نحو الوعي والجمال.
نجد أحبه لو طعامي على مر الشجر
بس أبمشي مع هله وآكل اللي ياكلون
ولمتابعة نصوص أخرى تحمل روح النقد والتأمل، يمكنك قراءة “نقد أصحاب السمو بين الرياضة والشعر!!” و “فارس الشعر وشاعر الفروسية” و “الشعر وسوريا“ ، التي تبرهن أن الشعر عند الكاتب ليس فنًا فقط، بل موقفًا ورؤية تجاه الحياة والمجتمع.
