الشعر وسوريا

/

/

الشعر وسوريا

الشعر وسوريا

الشعر وسوريا: حين يغيب صوت الضمير عن المأساة

نص نقدي يتناول موقف الشعراء من مأساة سوريا، كاشفًا غياب الضمير الإنساني في زمنٍ تتحدث فيه القصائد عن كل شيء إلا عن الدم والكرامة، وداعيًا لعودة الشعر إلى دوره الحقيقي كصوتٍ للحق والحرية.

في يوم الجمعة الموافق 6 يوليو 2012، كانت الساحة العربية تموج بالأحداث الكبرى، وفي مقدمتها مأساة سوريا التي هزّت الضمير الإنساني قبل أن تهزّ الجغرافيا. وبينما كانت المدن السورية تنزف دمًا، كان المشهد الثقافي في بعض الدول العربية يعيش انفصامًا غريبًا بين الفن والواقع، وبين الشعر والإنسان. فقد بدا أن بعض الشعراء الشعبيين انشغلوا بقضايا هامشية أو بمواقف سياسية آنية، متناسين أن الشعر كان في تاريخه الطويل صوت الأمة في محنها، ولسان المظلوم حين يُقهر، وراية العدل حين يُغيب.

الشعر وموقفه من المأساة السورية

لقد كانت سوريا وما تزال أرض الشعر والحضارة، ومنبعًا للمثقفين والمبدعين الذين حملوا همّ الأمة في قصائدهم، لكن ما شهدته من مجازر ودمار وتنكيل بالشعب جعل الصمت جريمة، والتخاذل خيانة للضمير الأدبي والإنساني. ومع ذلك، بدا المشهد الشعري العربي مرتبكًا؛ فبعض الشعراء وقفوا على الحياد، وكأن ما يجري لا يعنيهم، وآخرون انجرفوا وراء خطابٍ إعلاميٍ موجه، يردد ما يُقال دون وعيٍ أو تبصّر.

لم يكن المطلوب من الشاعر أن يحمل بندقية أو أن يرفع شعارًا سياسيًا، بل أن يعبّر بصدقٍ عن موقفٍ إنسانيٍ واضح. فالشعر في جوهره ليس ترفًا لغويًا، بل مسؤولية، والشاعر الحق هو من يكتب بالوجدان لا بالإملاء. حين تغيب سوريا من القصيدة، فإنها لا تغيب فقط كجغرافيا، بل كرمزٍ للألم الإنساني الذي يُفترض أن الشعر يلتقطه قبل غيره.

القومية حين تطغى على الإنسانية

أشار النص الأصلي إلى أن بعض الشعراء غلبت عليهم أفكارهم القومية أكثر من انتمائهم الإنساني والإسلامي، وهي إشارة دقيقة إلى أزمة الهوية الفكرية التي يعيشها بعض المثقفين. فحين تصبح القومية غطاءً لتبرير الصمت أو لتأييد الظلم، فإنها تفقد معناها النبيل، وتتحول إلى وسيلة لتزييف الوعي.
لقد رأينا شعراء يتغنون بشعارات الوحدة العربية في وقتٍ تُحرق فيه مدن سوريا ويُقتل أهلها، وكأن تلك القومية لا تضمّ السوريين! وهنا يفقد الشعر رسالته، إذ يتحول إلى أداة تجميلٍ لواقعٍ مشوّه بدل أن يكون مرآةً تعكس الحقيقة.

الشعر ضمير الأمة

منذ الجاهلية كان الشعر وثيقة التاريخ وصوت الجماعة. فالشاعر كان لسان القبيلة، والمدافع عن كرامتها، والمعبّر عن أفراحها وأحزانها. فكيف يُعقل أن تمرّ مأساة إنسانية بحجم ما جرى في سوريا دون أن تترك أثرًا حقيقيًا في القصيدة؟
إن الشعراء الذين تخلّوا عن دورهم الأخلاقي لا يختلفون عن الساسة الذين تخلّوا عن مسؤولياتهم. فحين يصمت الشاعر أمام الظلم، يموت في داخله جوهر الإبداع، لأن الشعر الذي لا يُنصف الإنسان لا يستحق أن يُكتب.

الشعر بين الحقيقة والزيف

في زمن تتعدد فيه المنابر والمنصات، أصبح من السهل أن يُستخدم الشعر كوسيلة ترويجٍ أو دعاية، بدل أن يكون أداة وعي. لقد تحولت بعض القصائد إلى شعارات سطحية تُقال في المهرجانات دون أن تمسّ جوهر المعاناة. والأسوأ أن بعض الشعراء باتوا يتاجرون بالمواقف، فيكتبون للسلطة حين تدفع، ويصمتون حين تُراق الدماء.
هذا النوع من الشعر يضرّ أكثر مما ينفع، لأنه يكرّس اللامبالاة ويُخدر الوجدان الجمعي. فالشعر الحقيقي لا يصفّق، بل يصرخ. لا يزيّن، بل يكشف.

واجب الشاعر في زمن المحنة

إن واجب الشاعر اليوم ليس أن يواكب الأحداث من بعيد، بل أن يكون شاهدًا عليها. عليه أن يكتب بصدقٍ عن معاناة الناس، لا أن يختبئ وراء الغموض أو التلميح. فالشعر لا يفقد قيمته حين يكون سياسيًا أو إنسانيًا، بل حين يكون خاليًا من الضمير.
لقد كانت قصائد الحماسة في تاريخنا العربي هي التي تبقي القيم حيّة، وهي التي ألهمت الثورات والتحرر. فما الذي يمنع شعراء اليوم من أن يحملوا هذا الإرث ويعيدوا إليه الحياة؟

من يملك الكلمة يملك الموقف

الكلمة ليست مجرد صوتٍ في فضاء، بل موقف. والشاعر الذي يملك الكلمة يملك القدرة على التأثير، حتى وإن ظنّ أنه يكتب في عزلة. فقصيدة واحدة صادقة قد تفتح بابًا من الوعي أكثر من ألف خطابٍ سياسي.
ولهذا، فإن مأساة سوريا يجب أن تكون حاضرة في الوجدان الشعري لا كخبرٍ عابر، بل كندبةٍ في ضمير الأمة، لأن الشعر هو ما يبقى حين يزول كل شيء.

بين النفط والدم

يختتم النص الأصلي بمقارنةٍ لاذعة حين يقول:

“الشعب يصرخ مايبي كود تسليح
وحنا نتفاخر بالنفط بالفلوسي”

إنها صرخة تُلخّص مأساة التناقض العربي بين الوفرة المادية والعجز الأخلاقي. كيف يمكن لأمةٍ تمتلك الثروات أن تعجز عن نصرة المظلوم؟ كيف يمكن لشاعرٍ أن يكتب عن الرفاه بينما تُذبح الطفولة في سوريا؟

الشعر والضمير العربي

القصيدة ليست بيانًا سياسيًا، ولكنها حين تكون صادقة تصبح أكثر تأثيرًا من كل الخطب. فالشعراء الحقيقيون لا يتخلّفون عن الموقف، بل يصنعونه. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الشعر في سياق المأساة السورية ليس نقدًا للأدب بقدر ما هو دعوة لإحياء جوهره.

خاتمة: الشعر لا يصمت أمام الدم

حين يقتل الطغاة الأطفال وتحترق المدن، فإن أول ما يجب أن يصرخ هو الشعر. لأن الشعراء هم ذاكرة الأمة وضميرها الحي. وإن صمتوا، مات الوجدان الجمعي.
إن مأساة سوريا ليست حدثًا عابرًا، بل اختبارٌ لإنسانيتنا جميعًا. فإما أن نكتب بصدقٍ يخلّد الموقف، أو نصمت صمتًا يلعننا التاريخ عليه.


لقراء النصوص الوجدانية، يمكن الرجوع إلى الصداقة كنز فان!! و “هو فريح؟؟”  و “إلى جنة الخلد فريح” ، وهي نصوص تنبض بالوفاء الإنساني وتستحضر الصداقة والمواقف الصادقة بصدق شعوري عميق.  

الشعر وسوريا

مقالات ذات صلة

مدارات التقت حامد زيد وهو على السرير الأبيض

السامر على قناة الواحة في حلقة خاصة

الشعر الشعبي بلاط جامعة الملك سعود

ماجد الشلهوب:طرح مساهة الياسمينة شمال الرياض السبت المقبل

في ليلة جمعت الشعر بالصحافة راديو وتلفزيون العرب يحتفي بالسامر

يا زبن لا تكتب بصفحة مدارات