كلنا راحلون

/

/

كلنا راحلون

كلنا راحلون

كلنا راحلون.. بين الحقيقة والدهشة

كلنا راحلون، عبارةٌ قصيرة لكنها تحمل في طيّاتها أثقل المعاني، تطرق القلب قبل أن تطرق الأذن، وتستقر في أعماق الوعي كحقيقة لا تقبل الجدال. كلنا نعرفها، نحفظها، نرددها، لكننا نتناساها في زحمة الحياة اليومية. نعيش وكأننا خالدون، نخطط، نحلم، نغضب، نتصارع، نحب ونتكبر، وننسى أن النهاية مكتوبة منذ البداية، وأننا مهما طال بنا العمر سنمضي في طريقٍ لا رجعة فيه.

حين نتأمل معنى “كلنا راحلون” نجد أننا أمام مرآة صافية تعكس هشاشتنا كبشر. لا أحد فوق الفناء، ولا أحد يستطيع أن يشتري لحظة إضافية حين يأتي النداء الأخير. هي الجملة التي تساوي بين الغني والفقير، بين القوي والضعيف، بين من يعيش في قصر ومن يسكن كوخًا على أطراف مدينة. كلنا راحلون، لكن الفارق الحقيقي بيننا هو ما نتركه خلفنا قبل أن نرحل.

نرحل، لكن آثارنا تبقى. تبقى الكلمات التي قلناها، والمواقف التي صنعناها، والقلوب التي أحبّتنا بصدق أو جرحناها بلا قصد. هناك من يرحل تاركًا أثرًا طيبًا يخلّد اسمه، وهناك من يمرّ مرور الغبار لا يذكره أحد. لذلك، حين نستشعر عمق عبارة “كلنا راحلون”، ندرك أن الرحيل ليس هو النهاية بل بداية لحساب آخر، لا بالأيام ولا بالأموال، بل بما زرعناه في مسيرة العمر.

في كل وداعٍ صغير نختبر جزءًا من هذه الحقيقة. حين نفقد عزيزًا، حين نغادر مكانًا أحببناه، أو حين يبتعد صديقٌ دون سبب، نشعر أن الزمن يسحب من أرواحنا خيطًا خفيًّا. وربما لهذا كانت لحظات الوداع هي الأصعب دائمًا، لأنها تذكّرنا بأننا جميعًا مؤقتون في حياةٍ مؤقتة. كلنا راحلون مهما طال بنا المقام، ومهما أقنعنا أنفسنا أن الوقت ما زال في صفنا.

لكن، هل الرحيل دائمًا حزن؟
ليس بالضرورة. فـ”كلنا راحلون” لا تعني أن الحياة مظلمة، بل تذكيرٌ بأن الوقت محدود، وأن علينا أن نعيشه بصدقٍ ووعي. أن نحب دون حساب، أن نسامح دون ضعف، وأن نترك خلفنا أثرًا يليق بنا. الرحيل حتمي، لكن الطريقة التي نرحل بها اختيارية. هناك من يرحل بابتسامة، وهناك من يترك وراءه فراغًا موجعًا، وهناك من يُذكر بالدعاء في كل حين لأنه عاش نقيًّا، صادقًا، كريمًا.

في عالمٍ سريعٍ يستهلكنا دون أن نشعر، تأتي هذه العبارة كصفعة توقظنا من غفلة الركض. كلنا راحلون، فإلى متى نؤجل التصالح مع ذواتنا؟ إلى متى نؤخر كلمة طيبة أو عناقًا أو اعتذارًا؟ كم من علاقاتٍ انتهت بسبب كبرياء مؤقت، وكم من أرواحٍ فارقتنا قبل أن نقول لها “سامحني” أو “اشتقت إليك”. لو أدركنا حقًّا أننا راحلون، لخفّ غضبنا، وهدأ صراعنا، وتغيّرت نظرتنا إلى ما نعتبره خساراتٍ كبرى.

إن أعظم ما يفعله الإنسان في مواجهة هذه الحقيقة هو أن يعي قيمة يومه. كل يومٍ يمرّ هو فرصة جديدة لأن نصنع فرقًا، لأن نكون سببًا في ابتسامة أحد، أو في مساعدة محتاج، أو في كتابة سطرٍ جميل في كتاب الحياة. فالحياة لا تُقاس بطولها، بل بعمقها، ولا بالسنوات التي عشناها، بل بالأثر الذي تركناه. وهنا فقط نكسر رهبة عبارة “كلنا راحلون” لتصبح دافعًا نحو حياةٍ أكثر وعيًا.

تذكّر دائمًا: أنت لست مجرد عابر، أنت قصة قصيرة في كتابٍ ضخم، فاجعلها تستحق القراءة. لا تخف من النهاية، بل خف من ألا تكون قد بدأت حقًّا. كلنا راحلون، لكن هناك من يرحل تاركًا ضوءًا يبدد العتمة، وهناك من يمرّ كظلٍ لا يُرى ولا يُذكر. فاختر أن تكون نورًا، لا ظلًا.

ربما أصعب ما في الرحيل أنه لا موعد له. لا أحد يعرف متى تكون آخر مكالمة، أو آخر لقاء، أو آخر رسالة. لذلك، عش كل لحظة وكأنها الأخيرة، تحدث بلطف، عامل الآخرين كما تحب أن تُعامل، وابتسم أكثر مما تظن أنك تستطيع. فالحياة أقصر من أن تُهدر على الحزن أو الحقد، وأجمل من أن تُترك بلا حب.

كلنا راحلون، لكنّ الأرواح الطيبة تبقى حاضرة في الذاكرة مهما غابت أجسادها. تبقى في رائحة الأماكن التي مرّت بها، في الأغاني التي أحبتها، وفي الدعوات التي لا تنقطع عنها. لا أحد يرحل تمامًا، لأن الأثر الطيب خالد، ولأن ما نفعله من خيرٍ هو الامتداد الحقيقي لعمرنا بعد الفناء.

وفي النهاية، كلنا راحلون، لكن بين الرحيل والبقاء مساحة اسمها “الحياة”، فلنملأها بما يجعلها تستحق أن تُروى. اجعل سيرتك طيبة، وكلماتك صادقة، وقلوب الناس عليك راضية. فحين يأتي الرحيل، لن يبقى منّا سوى ذكرى… فاختر أن تكون جميلة.

في المقابل، تحمل نصوص مثل “المستفزون“, “فليحاسبوا“, و”شعراء منتهون” نبرة احتجاجٍ واعية ضد التكرار والسطحية، لتعيد الاعتبار للشعر كفنٍّ مسؤول.

كلنا راحلون

مقالات ذات صلة

أخو لجعه.. قلق ومجد 1-3

راكان شاعر الفرسان وفارس البيان ابن حثلين قلق.. ومجد 2-3

ابن حثلين قلق ومجد الحلقة الثالثة والاخيرة

السامر ختام .. هلا فبراير

السامر بين نجران والرياض

يا سيدي ياسيد كل السيادات