شعراء منتهون: أزمة الذائقة الشعرية بين الماضي والحاضر
في يوم الثلاثاء الموافق 29 نوفمبر 2011، برز موضوع مثير للجدل تحت عنوان “شعراء منتهون”، وهو موضوع يلامس جوهر الساحة الشعرية اليوم وما أصابها من تحولات جذرية أفقدتها الكثير من بريقها. فحين نعود إلى الماضي البعيد، نجد أن الشعر كان مصدره صدور الرجال الرواة الأذكياء والدهاة، أولئك الذين ينتقون الفريدة ويتركون الغث، فلا يروون إلا ما يستحق البقاء. كانوا أشبه بالإعلام المسؤول، الذي يختار ما يصلح للنشر ويترك ما يثير الضحك أو السخرية. والنتيجة أن ما وصلنا من ذلك الزمن هو صفوة الشعر وفريده، نصوص خالدة تمثل ذائقة نقية وثقافة عالية.
أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا. صرنا نصدر لأجيالنا القادمة ما يمكن وصفه بـ شعراء منتهون، وأصبحنا نرى في المشهد نصوصًا لا تستحق أن تُسمى شعرًا. إنها مجرد عبارات عادية تُكتب بشكل منظوم دون روح أو خيال أو جماليات، ومع ذلك يتم دفعها إلى الساحة بوصفها إبداعًا. هذه الظاهرة لا تسيء فقط إلى الشعر، بل تشوه صورة المشهد الثقافي بأكمله.
لماذا نصفهم بأنهم شعراء منتهون؟
الوصف بـ شعراء منتهون لا يأتي من فراغ، بل من واقع يراه القارئ والمتابع يوميًا. فهؤلاء لا يملكون أدوات الشعر الحقيقية من وزن وقافية وصورة وإحساس، بل يعتمدون على التكرار والاستعارة المبتذلة، وينالون الشهرة عبر وسائل الإعلام الحديثة التي تسلط الضوء على أي نص بغض النظر عن قيمته.
الأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء يسيطرون على المنابر الإعلامية المسموعة والمقروءة والمرئية، فيُقصون الأصوات المبدعة الحقيقية، ويفرضون على المتلقي نمطًا مشوهًا من النصوص. وهنا تكمن الخطورة، لأن الذائقة الشعبية تبدأ بالتدهور شيئًا فشيئًا، حتى يصبح الرديء هو السائد والجيد استثناء نادر.
مقارنة بين الشعر القديم والحديث
إذا عقدنا مقارنة بسيطة بين ما كان يُروى قديمًا وما يُكتب اليوم، سنجد أن الفارق شاسع. الشعر القديم كان يختزن الحكمة والفروسية والصدق والخيال الواسع، وكان وسيلة لتوثيق الأحداث وحفظ المواقف والتعبير عن العاطفة الإنسانية بأرقى الصور. بينما النصوص التي يقدمها بعض الشعراء المنتهين اليوم تفتقد إلى كل ذلك، فهي نصوص سطحية، خاوية المضمون، تُكتب لغرض الشهرة أو الكسب السريع فقط.
لقد تحولت بعض المنصات إلى أدوات للتطبيل والتلميع، حيث يُرفع الرديء ويُقصى الجيد، ليس لضعف الأخير بل لأنه لا يتماشى مع مصالح المنتفعين من الساحة.
تأثير شعراء منتهون على الذائقة العامة
لا يمكن إنكار أن الذائقة الشعرية للمجتمع تتأثر بشكل مباشر بما يُعرض عليه. فعندما يُفرض الرديء من خلال الإعلام، ويتكرر حضوره في المهرجانات والبرامج، فإنه مع الوقت يترسخ في ذهن المتلقي بوصفه الشكل الطبيعي للشعر. وهنا تكمن المأساة: أن يصبح “المزيف” هو الأصل و”الحقيقي” هو الاستثناء.
ولذلك فإن بروز شعراء منتهون لم يعد مجرد ظاهرة فردية بل تحول إلى مشكلة ثقافية عامة، لأنها تؤثر في وعي الأجيال الجديدة، وتقدم لهم صورة مشوهة عن معنى الشعر وقيمته.
مسؤولية الإعلام والنقاد
لا يمكن أن نلقي اللوم كله على الشعراء أنفسهم، فالمسؤولية الكبرى تقع على الإعلام والنقاد. الإعلام هو الذي يفتح الأبواب أمام هذه النماذج، ويمنحها مساحة أوسع مما تستحق، بينما يغلقها في وجه الشعراء الحقيقيين الذين يملكون الموهبة والإبداع. أما النقاد، فقلة منهم من يقف موقفًا صارمًا، بينما يختار البعض المجاملة والمسايرة على حساب الحقيقة.
لذلك، إذا أردنا إصلاح المشهد، فلا بد من أن يقوم الإعلام بدوره الحقيقي في الفرز والاختيار، وألا يسمح بتمرير الرديء، كما يجب على النقاد أن يواجهوا بجرأة ظاهرة الشعراء المنتهين، حتى لا يستمر هذا الانحدار.
كيف يمكن إنقاذ الساحة الشعرية؟
إنقاذ الساحة من سيطرة شعراء منتهون لا يكون إلا بعدة خطوات:
تشجيع الشعراء الحقيقيين عبر المنابر الإعلامية ومنحهم فرصًا عادلة للظهور.
إحياء التراث الشعري وتذكير الأجيال الجديدة بقيمة النصوص الخالدة التي صنعت تاريخ الأدب العربي.
تنظيم مسابقات جادة تعتمد على معايير صارمة لا تسمح بتمرير الرديء.
تفعيل دور النقاد ليكونوا مرآة صادقة تكشف الزيف وتدعم الموهبة.
التثقيف الشعري من خلال المناهج والأنشطة الثقافية، حتى يتعرف الشباب على الفرق بين الشعر الحقيقي والتقليد السطحي.
الخاتمة
إن الحديث عن شعراء منتهون ليس مجرد نقد شخصي أو هجوم على أسماء بعينها، بل هو محاولة جادة لوصف حالة واقعية تعاني منها الساحة الشعرية. فإذا كان الماضي قد منحنا شعرًا خالدًا لا يزال يُتداول حتى اليوم، فإن الحاضر يقدم لنا نصوصًا مشوهة سرعان ما تفقد بريقها وتُنسى.
ولذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق الجميع: الشعراء والإعلام والنقاد والجمهور. فإما أن نعيد الاعتبار للشعر ليبقى كما كان لسان الأمة وسجلها الثقافي، أو نستمر في تصدير شعراء منتهون إلى المستقبل، ليكون إرثنا للأجيال القادمة نصوصًا باهتة لا حياة فيها.
لقراء يحبون متابعة المشهد الشعري، يجدون في “نجومية المنبر” و “نجومية المنبر والشاعر” و “المندفعون على المسرح” ملامح نقدية تكشف طبيعة الحضور الجماهيري وتأثير المنابر على الشعراء.
