يغضبون من الصراحة: حكاية الحقيقة حين تزعج أصحابها
في يوم الاثنين الموافق 5 أبريل 2004، نُشر نص لافت بعنوان “يغضبون من الصراحة”، تناول فيه الكاتب واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد الأدبي والإعلامي، وهي قضية الصراحة حين تُقال بصدقٍ وتجردٍ فتصبح مصدر إزعاجٍ للبعض بدل أن تكون دافعًا للتصحيح والتطوير. النص يعبّر عن تجربة واقعية للكاتب بعد أن تلقّى ردود فعل متباينة على مقالٍ سابق له بعنوان “زمن الغير شعر”، والذي انتقد فيه حالة الشعر الشعبي وقتها، وطرح تساؤلات حول غياب المعايير الأدبية الحقيقية أمام سطوة العلاقات والمجاملات، وهو ما جعل الكثيرين من الذين يغضبون من الصراحة يشنّون هجومًا على الكاتب بدل أن يواجهوا الواقع.
منذ السطر الأول في يغضبون من الصراحة، يشعر القارئ أن الكاتب لا يسعى إلى افتعال الجدل، بل إلى فتح باب النقاش حول واقعٍ ثقافي لا يرضي أحدًا، ومع ذلك يخشى كثيرون التحدث عنه. يقول الكاتب إنه تلقّى اتصالات كثيرة تؤيد ما كتبه سابقًا، لكنه تعجب من أن المؤيدين جميعهم يبدون رضاهم في الخفاء، بينما يغيب صوتهم في العلن. وهنا تكمن المفارقة التي يبني عليها النص كله: أن الكل يتفق على وجود الخلل، لكن القليل يملك شجاعة الاعتراف به أو مواجهته. وهذه المفارقة بالضبط هي ما يجعل يغضبون من الصراحة عنوانًا لظاهرة اجتماعية تتكرر في حياتنا كل يوم.
تكرار عبارة “يغضبون من الصراحة” عبر النص ليس مجرد اختيار لغوي، بل هو تعبير عن ظاهرة أوسع تتجاوز الشعر إلى كل مجالات الحياة الثقافية والإعلامية، حيث يصبح قول الحقيقة مخاطرة، والنقد الصادق مغامرة. الكاتب يربط بين ما كتبه عن الشعر وما تلقّاه من ردود، فيكشف أن الغضب لم يكن على رأيٍ محدد، بل على مبدأ الصراحة ذاته. أحد الزملاء، كما يروي النص، غضب لأنه رأى في الطرح كشفًا لما يفضّل البعض إبقاءه مستورًا، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة الأدبية، وهنا يتجلى معنى يغضبون من الصراحة في أوضح صوره.
ويتابع الكاتب حديثه بنبرةٍ تجمع بين الأسى والسخرية، إذ يقول متعجبًا: “لا أدري لماذا تغضبهم الحقيقة؟ ولماذا دائمًا يعقّب من ليس له بالموضوع دخل؟”، وهي جملة تلخص واقعًا متكررًا في المشهد الثقافي، حيث يتصدى للنقد من لا علاقة له بالمجال، بينما يصمت المعنيون الحقيقيون. هنا يتخذ النص طابعًا تأمليًا يتجاوز الخاص إلى العام، فيطرح فكرة أن المجتمع الأدبي لا يمكن أن ينهض إلا إذا تصالح مع الصراحة وتقبل النقد باعتباره وسيلة تطوير لا وسيلة إساءة، وإلا فسنظل في دائرة يغضبون من الصراحة التي تعيد إنتاج الخوف من الحقيقة.
في يغضبون من الصراحة تظهر شخصية الكاتب بوضوح؛ ناقد صادق يعبّر عن رأيه دون مواربة، لكنه في الوقت ذاته يكتب بروح المسؤول لا بروح الصدام. لذلك، تأتي لغته هادئة متزنة، وإن كانت مشحونة بالعتب والصدق. هو لا يهاجم الأشخاص، بل يهاجم الفكر الذي يخشى المواجهة. ومن خلال تجربته الشخصية مع من اتصلوا به، يقدّم نموذجًا للكاتب الذي يضع مصلحة الساحة الأدبية فوق اعتبارات العلاقات، وهو ما يجعل يغضبون من الصراحة وثيقة فكرية تدعو للنزاهة والشفافية في القول والفعل.
وفي هذا السياق، يطرح النص تساؤلًا جوهريًا: إذا كنا غير راضين عن الحالة، كما يقول الكاتب، فلماذا لا نغيّرها؟ هذا السؤال البسيط يحمل في طيّاته خلاصة الرسالة كلها. فالنقد بلا فعلٍ لا معنى له، والصراحة التي لا تتبعها خطوة إصلاح تصبح مجرد شجاعة كلامية. ولذلك يدعو الكاتب ضمنيًا إلى تحويل الصراحة من موقف فردي إلى ثقافة عامة، تؤمن بأن الاعتراف بالمشكلة هو أول طريق الحل، وأن من يغضبون من الصراحة إنما يغضبون من أنفسهم قبل أن يغضبوا من الآخرين.
ومن الزاوية الأدبية، يُعدّ نص يغضبون من الصراحة من النصوص التي تمزج بين المقالة النقدية والموقف الأخلاقي. فهو لا يكتفي بتوصيف الظاهرة، بل يحاكمها من منظور القيم. الصراحة هنا ليست مجرد فضيلة شخصية، بل مبدأ وطني وأدبي في آن واحد. ومن خلال تجربته في الساحة الشعرية، يعكس الكاتب أزمة الثقة بين المبدعين والإعلاميين، حيث يتوهم بعضهم أن الظهور الإعلامي وحده يصنع الاحتراف، بينما الحقيقة أن الاحتراف يُبنى على الموهبة والصدق والموقف، وكلها قيم يفتقدها من يغضبون من الصراحة.
ويُختتم النص بخاتمة قصيرة لكنها عميقة، حين يربط الكاتب بين الموقف النقدي والشعور الإنساني عبر قصيدةٍ تحمل الكثير من الرمزية:
ضربتها كل الوجه .. وارتخت لي
وأمسيت فيها بين معطى.. ومحروم
سانعتها لين إنها.. سانعت لي
أوقات .. وأكثر مدها.. دمع.. وهموم
لاهي تخلت لي.. ولا هي خلت لي
ما بين.. بين.. وبين.. قانع.. وملزوم
عيت تصافي لي ولا هي صفت لي
مير أني أجزم واقطع الدرب بعزوم
هذه الأبيات توازي فكرة النص نفسها: الصراع بين الرغبة في الصفاء وبين واقعٍ ملتبس، بين من يسعى للصدق ومن يواجه التعقيد. وكأن القصيدة تأتي كمرآة للنص النثري، توجز بالحسّ الشعري ما عبّر عنه الكاتب بالحسّ النقدي. ومعها يختم يغضبون من الصراحة رسالته بصدقٍ يليق بمن كتب من أجل الحقيقة لا من أجل المجاملة.
وفي النهاية، يظل يغضبون من الصراحة نصًا صادقًا يواجه العادات الفكرية السائدة في زمنٍ كانت فيه المجاملة تغلب على الجرأة، ويؤكد أن الكاتب الحقيقي لا يُقاس بعدد من يرضى عنه، بل بقدر ما يقترب من الحقيقة. فالصراحة ليست تهمة، بل شرفٌ أدبي، ومن يغضب منها إنما يغضب من النور لأنه يكشف ما يريد إخفاءه.
الحياة اليومية تحمل تفاصيل مضحكة ومؤثرة في آن واحد، وهذا ما يبرزه الكاتب بأسلوب طريف وساخر. من النصوص المناسبة السمبوسة! ولعبوني والا باخرب!! ومالى لا أرى الهدهد التي توثق المواقف اليومية بروح مرحة ونقد خفيف.
