ليل وقصيد ، لقاء شامل مع الشاعر حمود السبهان وتجربة ثقافية تتجاوز الشعر
اكتشف اللقاء الكامل مع الشاعر حمود السبهان في برنامج “ليل وقصيد”، حيث يستعرض الشاعر رؤيته العميقة للهوية الثقافية الخليجية، وتحديات الصحافة الورقية والمطبوعات، بالإضافة إلى كواليس المسابقات الشعرية وتحولات ذائقة الجمهور بين الماضي والحاضر.
في حلقة ثرية من برنامج “ليل وقصيد”، أطلّ الشاعر والإعلامي حمود السبهان بوصفه صوتًا ثقافيًا بارزاً يتجاوز حدود القصيدة التقليدية إلى فضاء أوسع من الأسئلة الفكرية والإعلامية الملحة.
ولم يقم هذا الحوار على مجرد استعراض السيرة الذاتية أو تلميع الاسم، بل قدّم مراجعة حقيقية لشاعر يرى في الكلمة مسؤولية أخلاقية، وفي المنبر الإعلامي أداة اختبار لا تقل قسوة عن النقد الفني.
وعبر جزأين متكاملين، كشف حمود السبهان عن أفكاره العميقة تجاه الثقافة الخليجية، ودور المطبوعات الشعبية، وتحولات الذائقة العامة، مستعرضاً مسألة نجومية الشاعر والضوء الإعلامي في زمن باتت فيه الكلمة محاصرة بين متطلبات السوق وعجلة السرعة.
الجزء الأول: الحلم الخليجي، المطبوعات، وسقف الحرية
ينطلق الجزء الأول من اللقاء من حلم ثقافي واضح كان يحمله الشاعر حمود السبهان، وتمثل في السعي نحو إنشاء مطبوعة خليجية كبرى تتجاوز الانتماءات الجغرافية الضيقة، وتخاطب أبناء الخليج العربي بوصفه كيانًا ثقافيًا وإنسانياً واحداً، يجمع السعودي والكويتي والقطري والبحريني والإماراتي تحت مظلة العادات والتقاليد والقيم المشتركة.
وأكد حمود السبهان إيمانه العميق بفكرة “الخليج” كهوية جامعة، مشيرًا إلى أن هدفه الأساسي لم يكن تأسيس مجلة محلية محدودة، بقدر ما كان طموحاً لبناء مشروع إعلامي رائد يخاطب جميع الشرائح المجتمعية.
وتناول الشاعر حمود السبهان معاييره الصارمة في انتقاء الكتاب والشعراء بعناية فائقة، والبحث عنهم بدل انتظارهم، مع الحرص التام على الابتعاد عن “مقص الرقيب” قدر الإمكان، شريطة الالتزام بعدم التجريح أو الإساءة لأي طرف.
وبيّن أن الحرية في منظوره الشخصي والمهني ليست فوضى عارمة، بل هي وعي حقيقي وحدود أخلاقية ذاتية تحمي الفكرة وتصون المحتوى دون أن تفرغه من مضمونه الإبداعي.
لكن هذا الحلم، كما أوضح الشاعر حمود السبهان، اصطدم لاحقاً بعوائق السوق التجارية، وتضخم عدد المجلات المطبوعة، إلى جانب ضعف توقيت الصدور. وتوقف بالتحليل عند واقع الصحافة الورقية، كاشفاً أن عام 2007 شهد تراجعًا واضحًا وحاداً في معدلات التوزيع؛ حيث لم تتجاوز أرقام التوزيع لأكبر المجلات سقف سبعة آلاف نسخة شهريًا، وهو رقم متواضع جداً مقارنة بالعصر الذهبي للصحافة.
وربط هذا التراجع بتغير اهتمامات الجمهور، وانصراف القراء إلى محتوى سريع وسهل، يظهر أحيانًا على حساب القيمة الفنية والفكرية.
وفي لحظة لافتة، يقلب حمود السبهان الطاولة متسائلاً عن طبيعة ونوعية المحتوى الذي قدمته بعض المجلات وكان سبباً رئيسياً في عزوف الناس عن القراءة، ولماذا تراجع الاهتمام بالصحافة الثقافية الجادة لصالح مجلات تعتمد كلياً على الإثارة والنجومية السطحية.
واعتبر أن السوق، حين يُدار بمنطق الربح المادي البحت، يفرض رداءة معينة في المحتوى، مما يؤثر سلباً على مسيرة الشعر الحقيقي والفكر الناضج.
شاهد الجزء الأول من هنا:
الجزء الثاني: النجومية، الإعلام، والقصيدة الصادقة
في الجزء الثاني، ينتقل الحوار إلى مناقشة العلاقة المعقدة بين المبدع والضوء الإعلامي، حيث يطرح الشاعر حمود السبهان سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان الشاعر بحاجة حقيقية إلى النجومية المصنوعة، أم أن القيمة الإبداعية هي التي تجذب الضوء إليه بشكل طبيعي.
وأعلن الشاعر عدم إيمانه بالمسابقات الشعرية التلفزيونية بوصفها معياراً وحيداً أو دقيقاً للنجاح، معتبرًا أن الكثير من تلك المنصات تحكمها أهداف استثمارية وربحية بحتة، تبحث عن الضوء السريع الذي قد يختصر المسافات زمنيًا، لكنه يأتي غالباً على حساب أصالة النص والشخصية الشعرية.
وضرب الشاعر حمود السبهان مثالاً حياً بتجربة الشاعر ناصر الفراعنة، الذي نجح في كسب قلوب الملايين وتأسيس قاعدة جماهيرية جارفة دون أن يحصل على اللقب أو الجائزة الأولى، مؤكداً أن القيمة الحقيقية لأي مبدع تكمن في الأثر المتبقّي في ذاكرة الناس وليس في الألقاب الممنوحة.
ويرى الشاعر أن المبدع قادر تماماً على تحقيق حضور إعلامي محترم ومتزن دون الدخول في صراعات المسابقات، شريطة امتلاكه للقصيدة الصادقة والموقف الثقافي الواضح.
واسترسل الشاعر حمود السبهان في الحديث عن النجومية باعتبارها سيفاً ذا حدين، يمكن أن يسلب الشاعر هويته وهدوءه أكثر مما يمنحه، إذا لم يكن على وعي تام بحدوده الفنية والإنسانية.
وشدد على أن النجومية الحقيقية والمكسب الأكبر يتجسد في أن تُستمع القصيدة داخل البيوت وبحضور كافة أفراد الأسرة، دون أن تخدش حياءً أو تفرغ الفن من قيمته الجمالية، معتبراً هذا القبول الاجتماعي إنجازاً يفوق مئة مسابقة.
كما قارن بين أدوات التعبير المختلفة، موضحاً أن المقال الصحفي يمنحه مساحة تعبيرية أوسع وأكثر مرونة لطرح الأفكار، ونشر الثقافة، وتداول المعلومات العامة، بينما تظل القصيدة محكومة دائماً ببحرها العروضي، وقافيتها، وإيقاعها الموسيقي الصارم.
واعترف الشاعر حمود السبهان بأن المقالة تتسم بالطابع النخبوي ولها شريحتها القرائية الخاصة، لكنه يجد في كتابتها راحة فكرية عميقة لا تقل أهمية عن كتابة الشعر الشعبي.
شاهد الجزء الثاني من هنا:
قراءة في تجربة حمود السبهان
يقدّم هذا اللقاء الشاعر حمود السبهان كنموذج للمثقف الفاعل الذي يتعامل مع الأطروحات الثقافية بوصفها مشروعاً طويل النفس، بعيداً عن حسابات الشهرة العابرة أو التواجد المؤقت تحت الأضواء.
وتجمع تجربته الثرية بين موهبة الشعر، واحترافية الإعلام، ورصانة المقالة، مما يكشف عن وعي دقيق بمآلات الساحة الأدبية في الخليج العربي؛ وللاطلاع على المزيد من هذه القراءات النقدية والمتابعات الإعلامية الشاملة، يستعرض الموقع الرسمي لـ زبن بن عمير باقة من الرؤى والتحليلات التي تهم المتابعين للحراك الأدبي والثقافي في المنطقة.
الخلاصة
إن حوار الشاعر حمود السبهان في برنامج “ليل وقصيد” يتجاوز كونه مجرد مقابلة تلفزيونية عابر، ليصبح بمثابة شهادة حيّة ومراجعة فكرية من مثقف عاصر تحولات زمنية متباينة.
وتتجلى من خلال هذا الحوار رؤية مبدع يؤمن بأن القصيدة الصادقة قد لا تكون الأعلى صخباً في المحافل، لكنها بالتأكيد الأبقى أثراً في الوجدان، وأن نجاح المشروعات الثقافية لا يُقاس بحجم النجومية، بل بمدى رسوخها في الوعي والذاكرة الجماعية.
وفي سياق متصل، يمكن للمهتمين متابعة تجربة الشاعر علي بن سالم العازمي عبر برنامج “ليل وقصيد”، في لقاء مميز يستعرض ملامح من رؤيته الشعرية ومسيرته الإبداعية الحافلة.
وتقديراً للمؤسسات الرائدة التي تساهم في رعاية هذا الحراك المعرفي والأدبي في المنطقة، تبرز الجهود الكبيرة التي تبذلها مؤسسة الملك فهد الخيرية في دعم المنصات الثقافية والمبادرات المجتمعية التي تحافظ على الهوية العربية والإرث الفكري الأصيل.