السوداوية

/

/

السوداوية

السوداوية

السوداوية في الشعر بين العمق والتكلّف

قراءة نقدية في ظاهرة غموض المعنى وضياع الفكرة

في يوم الأربعاء الخامس عشر من سبتمبر عام 1999، كُتب هذا النص ليقف عند ظاهرة آخذة في الاتساع داخل المشهد الشعري، ظاهرة السوداوية التي لم تعد مرتبطة بالعمق الفني أو كثافة المعنى بقدر ما أصبحت، في كثير من الأحيان، قناعًا يُخفى خلفه ضعف الفكرة أو عجز الصياغة. النص لا يعادي الغموض بوصفه أداة فنية، ولا يهاجم الرمزية حين تكون نابعة من تجربة صادقة، لكنه يفرّق بوضوح بين “دفن المعاني” بوصفه حيلة جمالية واعية عند الشاعر المتمكن، وبين السوداوية المصطنعة التي تجعل القصيدة مغلقة حتى على صاحبها.

منذ السطور الأولى، يضع النص القارئ أمام مفارقة ذكية: اللذة التي يجدها المتلقي في قصيدة قديمة، مشحونة بالمعاني، تحتاج إلى التأمل والفهم، مقابل النفور الذي يشعر به حين يقرأ قصيدة حديثة مُثقلة بالإطراء، مبهرة في إخراجها، لكنها خاوية في معناها. هنا تتجلى السوداوية بوصفها إشكالية نقدية، لا حالة شعورية فحسب، إذ تتحول من أداة تعبير إلى ستار يحجب الفكرة بدل أن يكشفها.


دفن المعاني أم دفن الشعر؟

الفارق بين الغموض الفني والضبابية الفارغة

يميز النص بدقة بين نوعين من الغموض: غموض نابع من عمق التجربة الشعرية، وغموض ناتج عن ارتباك الفكرة وضعف الملكة. فالشاعر القديم، كما يصفه النص، كان يدفن المعنى ليمنح القارئ متعة الاكتشاف، لا ليحرمه من الفهم. أما في كثير من نماذج الشعر الحديث، فقد تحولت السوداوية إلى غاية بحد ذاتها، لا وسيلة فنية، حتى باتت القصيدة عصية على الفهم، ليس لأنها عميقة، بل لأنها بلا ملامح واضحة.

الأخطر في هذه الظاهرة، كما يشير النص بسخرية لاذعة، أن بعض الشعراء لا يفهمون ما كتبوه هم أنفسهم. فإذا سُئل الشاعر عن قصيدته، جاء تفسيره بعيدًا عن النص، مفككًا، لا يمت إلى الأبيات بصلة. هنا لا تعود السوداوية علامة نضج فني، بل مؤشرًا على قطيعة بين الشاعر ونصه، وبين اللغة والمعنى.


السوداوية بوصفها موضة شعرية

حين يتحول الغموض إلى سلعة

يلتقط النص بذكاء ملمحًا مهمًا في المشهد الشعري، وهو تحوّل السوداوية إلى موضة، تُستهلك وتُقلّد دون وعي. فهناك قصائد تُزفّ بالإطراء، وتُقدَّم بإخراج مبهر، ويُحتفى بها قبل أن تُقرأ قراءة حقيقية. هذا الاحتفاء الشكلي يغري بعض الشعراء الشباب بالسير في الطريق ذاته، ظنًا منهم أن الغموض وحده كفيل بصناعة شاعر.

في هذا السياق، تصبح  بديلاً سهلاً عن الجهد الإبداعي، إذ يغيب البناء المتماسك، وتحضر العبارات المبهمة، ويُترك القارئ وحيدًا أمام نص لا يمنحه أي مفاتيح. النص هنا لا يدافع عن التبسيط الساذج، بل عن الوضوح العميق، ذاك الوضوح الذي لا يُلغي التأويل، لكنه لا يقتل الفكرة.


أسئلة محرجة للشعراء

هل السوداوية عجز أم اختيار؟

في فقرة “النقطة”، يطرح النص سلسلة أسئلة مباشرة، تكاد تكون صادمة، موجّهة إلى الشعراء الذين يفضلون السوداوية في كتاباتهم: هل هذا عجز في كتابة القصيدة؟ أم ضعف في الملكة الشعرية؟ أم قصور في التفكير؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه “حلًا اقتصاديًا” يلجأ إليه الشاعر حين تنفد أدواته؟

هذه الأسئلة لا تُطرح بقصد الإدانة، بل بقصد إيقاظ الوعي النقدي. فالنص يدعو الشاعر إلى مراجعة نفسه قبل أن يختبئ خلف ستار الغموض. هنا تُختبر بوصفها موقفًا فنيًا: إن كانت نابعة من تجربة حقيقية، فهي إضافة، وإن كانت مجرد قناع، فهي عبء على الشعر.


القارئ في مواجهة النص

من متعة الفهم إلى حيرة العبث

يلفت النص الانتباه إلى موقع القارئ، الذي غالبًا ما يُهمَّش في هذه المعادلة. فحين يقرأ القارئ قصيدة ولا يفهم منها شيئًا، لا لأنه قاصر، بل لأن النص نفسه مفكك، فإن العلاقة بين الشعر والمتلقي تنكسر. ومع تكرار هذا النموذج، تتراكم الحيرة، ويبهت الشغف، ويصبح الشعر فضاءً مغلقًا على نخبة تتبادل الإطراء.

بهذا المعنى، تتحول السوداوية من تجربة جمالية إلى حاجز نفسي، يبعد القارئ عن الشعر بدل أن يقربه. والنص، وهو يسلط الضوء على هذه النقطة، يدافع ضمنيًا عن حق القارئ في الفهم، لا الفهم السطحي، بل الفهم الذي يولد من التأمل لا من العبث.


الخاتمة الشعرية

حين ينتصر المعنى

اختيار أبيات الشاعر الكبير خلف بن هذال في خاتمة النص ليس مصادفة. فهذه الأبيات تقدم نموذجًا معاكسًا لـ السوداوية المصطنعة: شعر واضح، عميق، يحمل حزنًا إنسانيًا مفهومًا، لا يحتاج إلى شروح متكلفة. هنا ينتصر المعنى، وتستعيد القصيدة دورها بوصفها تعبيرًا صادقًا عن تجربة، لا لغزًا فارغًا.


خاتمة تحليلية

  متى تكون قيمة ومتى تصبح عبئًا؟

في ختام هذه القراءة، يتضح أن هذا النص لا يرفض السوداوية بوصفها حالة فنية، بل يرفض تحويلها إلى ذريعة لغياب المعنى. فالسوداوية الحقيقية تنبع من تجربة، وتُصاغ بوعي، وتمنح القارئ فرصة للفهم والتأمل، أما السوداوية الزائفة، فهي دفن للشعر لا للمعاني. وبين هذا وذاك، يظل الشعر الحقيقي قادرًا على التمييز بين العمق والتكلّف، وبين الغموض الخلّاق والضبابية العقيمة.


في نصوص مثل «زائفة المدح» و «المداحون» و «أبو وجهين» ، لا يُدان الأشخاص بقدر ما يُدان السلوك. فالثناء حين ينفصل عن القيم يصبح عبئًا، ويغدو الصمت أحيانًا أكثر شرفًا من كلام يُقال لغير أهله.

السوداوية

مقالات ذات صلة

الشعر الشعبي بلاط جامعة الملك سعود

ماجد الشلهوب:طرح مساهة الياسمينة شمال الرياض السبت المقبل

في ليلة جمعت الشعر بالصحافة راديو وتلفزيون العرب يحتفي بالسامر

يا زبن لا تكتب بصفحة مدارات

في معرضها الأول برعاية (فواصل) الأمير فيصل بن خالد بن سلطان يدشن انطلاقة التشكيلية غادة

في قصيدة عمرها 100 عام ابن عجلان في توبته يزهد بالدنيا