المداحون

/

/

المداحون

المداحون

المداحون: بين نبالة الماضي ومادية الحاضر

في يوم الجمعة الموافق 30 أبريل 2010، كتب الكاتب نصًا ناقدًا عميقًا بعنوان “المداحون”، تناول فيه تحوّل المدح في الشعر العربي من قيمة نبيلة تُعبّر عن الولاء والاعتراف بالجميل، إلى أداة للتكسّب والاستعطاء في زمن تغيّرت فيه الموازين. بهذا النص، يضع الكاتب القارئ أمام مشهد مؤلم يعكس تراجع المعاني الأصيلة للشعر أمام الماديات، وكيف أصبح المدح سلعة تُباع وتشترى بدل أن يكون شعورًا صادقًا أو تقديرًا مستحقًا.

لقد كان المدح في تاريخه القديم رمزًا للوفاء والامتنان، وكانت القصيدة التي تُقال في مدح رجل شجاع أو كريم تُسجّل في الذاكرة الجماعية للأمة. لم يكن الشعراء الأوائل مداحين من أجل المال، بل كانوا أصحاب مبدأ، يمدحون من يستحق المدح لأن في فعله ما يُخلّد في الشعر والتاريخ. أما اليوم، كما يقول الكاتب، فقد تغيّر المعنى وانقلبت الموازين، فأصبح بعض الشعراء يمدحون لا للوفاء، بل لمصلحة آنية، يبيعون كلماتهم لمن يدفع أكثر، ويتسابقون على المنابر في منافسة خالية من الصدق.

يقول الكاتب بمرارة إن أول سؤال يُوجَّه إلى الشاعر بعد نشر قصيدة مدح هو: “كم أخذت؟”، وكأن القصيدة لم تعد تُقرأ بوصفها عملاً فنيًا، بل صفقة مالية. إن هذه الجملة الصغيرة تكشف حجم التراجع الأخلاقي الذي أصاب الشعر، حيث صار البعض يرى في القصيدة وسيلة للتسوّل لا رسالة أو موقفًا. هنا يُبرز الكاتب وجهًا من أوجه الانحدار في الذائقة، ويصف كيف ألغت الماديات قيم الشعر وأضعفت معناه النبيل.

إن المداحون في الماضي كانوا رموزًا للوفاء، أما اليوم فقد صاروا رموزًا للتكسب. هذا التحول المؤلم لا يعكس فقط أزمة الشعر، بل أزمة المجتمع نفسه، حين تتحول الكلمة من وسيلة للتعبير إلى وسيلة للارتزاق. فالكاتب لا يهاجم المدح كفن، بل يهاجم التهافت على المديح الزائف، حين يصبح الشاعر مادحًا بلا قناعة، وممجّدًا لمن لا يستحق، طمعًا في مكسب أو منصب.

ولعل أجمل ما في النص أنه لا ينفصل عن التراث الشعري العربي، بل يتكئ عليه ليقدّم مقارنة صريحة بين زمنين: زمن كانت فيه القصيدة أداة لتخليد القيم، وزمن أصبحت فيه وسيلة لتسويق الأشخاص. فـ المداحون اليوم، كما يصفهم الكاتب، أضاعوا البوصلة الشعرية، ونسوا أن الشعر أمانة ورسالة، لا مهنة للبيع والشراء.

في تأمل أعمق، يظهر أن النص لا يكتفي بالنقد، بل يدعو إلى استعادة النقاء الأول للشعر. فالكلمة كانت في الأصل موقفًا، والمدح كان وسيلة للتكريم لا للمساومة. حين مدح الشعراء قديماً الفرسان والأبطال، لم يكونوا يطلبون مقابلًا، بل كانوا يخلّدون مواقفهم ليعلّموا الأجيال معنى الشجاعة والكرم. أما اليوم، فقد تغيّر كل شيء، وصار المداحون يتسابقون إلى المنابر بحثًا عن شهرة زائفة، تُمجّد الأشخاص لا القيم.

ويعبّر الكاتب عن حزنه حين يقول إننا في ظل مادياتنا ألغينا قيم المعروف. هذه العبارة تختصر المأساة، إذ لم يعد المدح نابعًا من النُبل، بل من الحاجة. وكأن الشعر الذي كان يومًا يُعلّم الناس الوفاء، صار اليوم يعلّمهم النفاق. إنها مفارقة مؤلمة تلخّص أزمة جيل بأكمله.

ويختم الكاتب نصه ببيتٍ مؤثر يقول:

خلعت ثوب اصطبار كان يسترني
وبان كذب ادعائي أنني جلد

هذا الختام العميق يُظهر حجم الانكسار الذي يشعر به الشاعر الحقيقي وسط ضجيج المداحين. فحتى الثوب الذي كان يستره من خيبات الزمن، خلعه، وواجه الحقيقة: أنه تعب من الزيف ومن الادعاء، وأن الصبر لم يعد يجدي أمام واقع يفسد فيه الشعر وتُباع فيه الكلمة.

من خلال هذا النص، يتجلى موقف الكاتب بوصفه ناقدًا للشعر المعاصر لا للشعراء فقط. إنه يدعوهم إلى العودة إلى أصل الشعر، إلى النقاء الذي يجعل الكلمة ذات معنى وقيمة. فالشعر الحقيقي لا يُقاس بعدد من يصفّق له، بل بمدى صدقه، وبقدرته على البقاء في الذاكرة بعد أن تنطفئ الأضواء.

ويحمل نص “المداحون” أيضًا بعدًا اجتماعيًا وثقافيًا، إذ يعكس كيف غزت المادية مجالات الإبداع كافة. فكما تحوّلت الفنون الأخرى إلى أدوات للربح، لم يسلم الشعر من هذا المصير. ومع ذلك، تبقى في النص نغمة أمل خافتة، إذ إن الكاتب يؤمن بأن الشعراء الصادقين لا يزالون موجودين، وإن قلّوا، وأن الكلمة الصادقة ستبقى رغم الزيف، لأنها تنبع من ضمير حيّ لا يُشترى.

في زمنٍ صار فيه المدح تجارة، يأتي هذا النص ليذكّر بأن الشعر رسالة، وأن الشاعر الذي يبيع كلمته يفقد روحه. فـ المداحون الذين يبحثون عن المال قد يربحون مؤقتًا، لكنهم يخسرون خلودهم، لأن الشعر الزائف يموت بانتهاء المناسبة، أما الشعر الصادق فيبقى، يُتلى وتتناقله الأجيال.

وهكذا، يبقى نص “المداحون” وثيقة نقدية فريدة تُسجّل مرحلة من التحول في المشهد الشعري العربي، وتدعو في الوقت ذاته إلى استعادة الأصالة والصدق في القول. فالمدح الجميل لا يُعيب الشاعر، ولكن المديح المصطنع يُفقده مكانته. وما بين المدّاح النبيل والمدّاح المتكسّب، يقف الكاتب في صفّ القيم، مدافعًا عن الشعر بوصفه شرف الكلمة وضمير الأمة.

ولمن يرغب في التعمق أكثر في نقد المشهد الشعري وتحولاته، يمكنه قراءة نصوص مثل زائفة المدح” و “انتهى الشعراء”  و “بيع الشعر”  ، حيث يواصل الكاتب تفكيك علاقة الشاعر بالكلمة، ويكشف كيف فقدت القصيدة بعضًا من بريقها وسط الماديات والمجاملات.

المداحون

مقالات ذات صلة

مدارات التقت حامد زيد وهو على السرير الأبيض

السامر على قناة الواحة في حلقة خاصة

الشعر الشعبي بلاط جامعة الملك سعود

ماجد الشلهوب:طرح مساهة الياسمينة شمال الرياض السبت المقبل

في ليلة جمعت الشعر بالصحافة راديو وتلفزيون العرب يحتفي بالسامر

يا زبن لا تكتب بصفحة مدارات