الشورى بمفهوم الضرب: أزمة ديمقراطية في المشهد الكويتي
في يوم الجمعة الموافق 17 يونيو 2011، ظهر نص بعنوان “الشورى بمفهوم الضرب” ليصف ما جرى داخل قبة البرلمان الكويتي من أحداث صادمة. فقد تحولت الجلسة البرلمانية التي يُفترض أن تكون منبرًا للحوار إلى ساحة مواجهة، تخللتها مشاهد ركل وضرب وتجاوزات لفظية، وهو ما صدم الرأي العام الكويتي والخليجي. إن الشورى بمفهوم الضرب لا يمكن أن تعكس ديمقراطية سليمة، بل إنها صورة مشوهة تجعل المواطن يتساءل عن جدوى وجود مؤسسات تشريعية إذا كانت عاجزة عن إدارة خلافاتها بالحوار.
الشورى بمفهوم الضرب وتشويه صورة البرلمان
عندما تتحول منصة تشريعية إلى ساحة عراك، فإن ذلك يبعث برسالة خطيرة. فالشورى وُجدت لتكون أداة بناء، بينما الشورى بمفهوم الضرب لا تبني بل تهدم. هذا المشهد لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل مؤشر على أزمة عميقة في الثقافة السياسية. فالمواطن الذي يشاهد هذه التصرفات يفقد ثقته في أن المجلس قادر على تمثيله أو الدفاع عن مصالحه. كما أن صورة الكويت الخارجية، التي طالما افتخرت بتجربتها الديمقراطية، تعرضت لانتقادات واسعة بسبب هذه الأحداث.
الديمقراطية بين الحوار والعنف
تُبنى الديمقراطية على أساس قبول الآخر وإدارة الخلاف بطرق سلمية. لكن الشورى بمفهوم الضرب تقلب هذه المبادئ رأسًا على عقب، حيث يصبح العضو البرلماني أسير الانفعالات بدلًا من أن يكون نموذجًا في النقاش الراقي. إن مثل هذه التصرفات تُظهر وكأن البرلمانات العربية ما زالت بعيدة عن الممارسة الديمقراطية الناضجة، وأن الخلافات السياسية سرعان ما تنزلق إلى خلافات شخصية. وهنا تكمن خطورة المشهد، لأن غياب ثقافة الحوار يعني غياب القدرة على صناعة قرارات استراتيجية تمس حياة المواطنين.
التأثير السياسي والاجتماعي
إن الشورى بمفهوم الضرب لا تقتصر آثارها على المشهد السياسي فقط، بل تمتد إلى المجتمع بأسره. فحين يرى الشباب نوابهم يتبادلون الشتائم والضرب، فإن ذلك قد يرسخ لديهم فكرة أن العنف وسيلة مشروعة لحل الخلافات. وهذا يضر بالتربية السياسية للأجيال المقبلة. كما أن هذه السلوكيات تؤثر على سمعة الدولة الاقتصادية، لأن المستثمر الأجنبي يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، وليس برلمانًا يتصارع داخله الأعضاء بالأيادي بدلًا من القوانين.
مقارنة مع تجارب خليجية أخرى
إذا قارنا هذه الظاهرة بما يجري في مجالس خليجية أخرى، فسوف نلحظ الفارق الكبير. ففي السعودية، يعرض التلفزيون جلسات مجلس الشورى التي يغلب عليها النقاش المسؤول، حيث يتم طرح القضايا بروح موضوعية بعيدًا عن أي شكل من أشكال العنف. كذلك في الإمارات، يقدم المجلس الوطني الاتحادي نموذجًا للحوار الراقي، حيث تُدار الجلسات بانضباط وتفاعل مدروس. وبينما يبرز في الكويت نموذج الشورى بمفهوم الضرب، هناك تجارب خليجية تقدم صورة مشرّفة لمفهوم الشورى القائم على الحوار والاحترام.
الحاجة إلى إصلاح الثقافة السياسية
إن معالجة ظاهرة الشورى بمفهوم الضرب لا تكمن في القوانين وحدها، بل في تغيير الثقافة السياسية السائدة. يجب أن يدرك النواب أن وجودهم في البرلمان ليس لتصفية الحسابات، بل لصناعة المستقبل. ويجب على المؤسسات التعليمية والإعلامية أن تعزز ثقافة الديمقراطية الصحيحة، التي تقوم على النقد البنّاء والاحترام المتبادل. إن الديمقراطية ليست مجرد مقاعد برلمانية، بل سلوكيات وممارسات تُظهر للناس أن الحوار أقوى من العنف.
دروس مستفادة من التجربة
من أبرز الدروس التي يمكن أن نستخلصها من مشهد الشورى بمفهوم الضرب أن الديمقراطية الحقيقية تحتاج إلى نضج سياسي. فليس كافيًا أن يكون هناك دستور أو انتخابات، بل لا بد من وعي سياسي قادر على إدارة التنوع. كما أن الشفافية في نقل هذه الأحداث عبر الإعلام لها جانب إيجابي، لأنها تكشف للرأي العام حقيقة ما يحدث وتدفع باتجاه المطالبة بالإصلاح.
الخاتمة: الشورى الحقيقية تبنى بالحوار لا بالضرب
في نهاية المطاف، لا يمكن لأي دولة أن تفخر ببرلمان يمارس العنف داخل قاعاته. إن الشورى بمفهوم الضرب ليست إلا صورة سلبية تُظهر أزمة في الممارسة السياسية، بينما الشورى الحقيقية هي التي تقوم على احترام الرأي الآخر، وإدارة الخلاف بالعقل، والتزام الأعضاء بتمثيل الشعب لا مصالحهم الشخصية. المستقبل لا يُبنى بالصراخ ولا بالركلات، بل بالحوار والتوافق والعمل المشترك. هذه هي الديمقراطية التي تستحق أن نرفع شعارها، لا الديمقراطية التي تُختصر في مشهد برلماني صاخب يسيء لتاريخ الكويت السياسي.
يمكن الاطلاع على نصوص “رحم الله الأديب نايف” و “ليالي العيد” و “الجنادرية والتراث” و “أزبكية مصر ومعرض الكتاب” لتجربة غنية من الثقافة والتراث والفكر الاجتماعي.
