في يوم الثلاثاء الموافق 10 يناير 2012، برزت إلى الساحة الشعرية قضية متكررة لا تزال تفرض نفسها على المشهد، وهي ظاهرة المندفعون على المسرح. هذه الظاهرة لم تعد مجرد ممارسات فردية عابرة، بل تحولت إلى سلوك متكرر يظهر في العديد من المسابقات والمحافل الشعرية، حيث يظن بعض الشعراء أن الاندفاع والتهور وسيلة للوصول إلى القمة أو لاختصار الطريق نحو النجومية، بينما الحقيقة أن مثل هذا الأسلوب لا يورث إلا الخسارة وفقدان المصداقية.
إنّ المندفعون على المسرح عادة ما يخلطون بين الشجاعة في الطرح والاندفاع غير المحسوب. فالشاعر الحقيقي يملك أدواته الفنية واللغوية، ويعتمد على نصوص متينة ورؤية واضحة، أما المندفع فيلجأ إلى حيل سطحية أو انفعالات لحظية، معتقدًا أنها ستجذب الجمهور أو تُرضي لجان التحكيم. لكنه سرعان ما يكتشف أن النص هو الفيصل الحقيقي، وأن ما يبقى في ذاكرة الناس هو قوة المعاني وصدق المشاعر، لا مجرد الصراخ أو الحركات المسرحية.
بين الإبداع والاندفاع
إنّ الفارق بين الشاعر المبدع والمندفع واضح تمامًا. المبدع يدخل إلى المنبر وهو محمّل برسالة، يحمل نصًا قادرًا على أن يترك أثرًا طويل المدى. أما المندفعون على المسرح، فهم غالبًا يفتقرون إلى العمق، فيبحثون عن أي وسيلة للفت الانتباه، سواء بالتلون في المواقف أو بمحاولة استرضاء الجمهور واللجان بطرق لا علاقة لها بالشعر. هذه الممارسات، وإن بدت ناجحة للحظة، فإنها في النهاية تفقد الشاعر مكانته وتضعه في خانة العابرين.
لقد شهدنا في محافل كثيرة شعراء يخرجون عن النص ليهاجموا وطنهم أو رموزهم أو محيطهم الاجتماعي من أجل إثارة جدل مؤقت، غير مدركين أن هذا المسار يجرّدهم من أبسط مقومات النجاح. فالمسرح ليس مكانًا للتهجم أو الاندفاع الأعمى، بل هو مساحة للإبداع الراقي والرسالة النبيلة.
أثر الاندفاع على النصوص الشعرية
النص الذي يولد من الاندفاع غالبًا ما يكون هشًا، مليئًا بالثغرات، ويفتقد إلى العمق الفني واللغوي. بينما النص الذي يُكتب برويّة ووعي يحمل في داخله طاقة مختلفة؛ طاقة قادرة على ملامسة الجمهور والتأثير فيه. إنّ المندفعون على المسرح لا يكتفون بإضعاف نصوصهم فحسب، بل يضعفون صورتهم الشعرية أمام النقاد والجمهور على السواء.
الأدهى أن بعض هؤلاء يظنون أن مجرد الصعود والظهور على المسرح هو نجاح بحد ذاته، في حين أن النجاح الحقيقي يقاس ببقاء النص بعد انتهاء الأمسية، بقدرة الأبيات على أن تُتداول وأن تُخلّد في ذاكرة الناس. وهذا ما لا يمكن أن يحققه نص مهترئ خرج بدافع الاندفاع فقط.
المسؤولية الأدبية للشاعر
الشاعر، حين يقف على المسرح، لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل وطنه وبيئته وثقافته. إنّ المندفعون على المسرح ينسون هذه الحقيقة الجوهرية، فيسمحون لانفعالاتهم أن تقودهم إلى مهاجمة قيمهم أو الإساءة لمجتمعهم من أجل إرضاء جمهور عابر أو مسؤول مؤقت. لكن مثل هذه الممارسات لا تجلب سوى الخسارة، لأن الشعر رسالة سامية، والرسائل الصادقة لا تُكتب تحت ضغط التملق أو الانفعال.
الشاعر الحقيقي يدرك أن المسرح اختبار صعب، وأن الوقوف أمام الجمهور مسؤولية تحتاج إلى وعي وثبات. هو يعي أن النص الجيد وحده هو الذي يمنحه شرعية الوجود، لا الانفعال ولا الاندفاع ولا التصنع.
التنافس الشريف والوعي بالرسالة
إنّ الساحة الشعرية لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج بقدر ما تحتاج إلى نصوص أصيلة وهادفة. المندفعون على المسرح يفسدون هذه الصورة حين يظنون أن الشهرة تُبنى على الاستعراض. بينما الواقع أن التنافس الشريف بين الشعراء، من خلال نصوص حقيقية نابعة من القلب والعقل معًا، هو ما يبني مشهدًا شعريًا متينًا يستمر في الزمن.
الوعي بالرسالة هو ما يجعل النص مختلفًا. فحين يكتب الشاعر بدافع الإبداع الصادق، فإنه يقدّم صورة مشرّفة عن نفسه وعن بيئته. أما حين يندفع بلا وعي، فإنه يهدم ما بناه في لحظة.
الخاتمة
في نهاية المطاف، يبقى المسرح مكانًا يختبر فيه الشعراء صدقهم وإبداعهم. المندفعون على المسرح قد يظنون أنهم يحققون حضورًا سريعًا، لكن الحقيقة أنهم يخسرون الكثير على المدى الطويل: يخسرون جمهورهم، يخسرون احترام النقاد، ويخسرون القيمة الحقيقية للنص الشعري.
أما الشعراء الذين يقدّمون أنفسهم بثبات وبنصوص صادقة، فإنهم وحدهم الذين يحفرون أسماءهم في ذاكرة الساحة. المسرح ليس للاندفاع الأعمى، بل هو للإبداع الراسخ الذي يبقى أثره حاضرًا مهما تغيّرت الأزمنة والظروف.
تجمع هذه النصوص بين النقد الاجتماعي والحنين للصدق، حيث يمكن للقراء متابعة “ماذا نحمد في أحمد؟” و “سلمان سلمان السعد” و “ناشفة!!“ لاكتشاف رؤية الكاتب للمواقف الإنسانية النبيلة والمفارقات اليومية.
