كتف قانوني

/

/

كتف قانوني

كتف قانوني

كتف قانوني: بين التنافس الشريف وضربات تحت الحزام

في يوم الجمعة الموافق 17 فبراير 2012، برزت إلى السطح قضية مهمة في الساحة الشعبية والإعلامية، وهي قضية ما بات يُعرف مجازًا بـ كتف قانوني. هذه العبارة التي قد تبدو في ظاهرها مرتبطة بالرياضة، تحولت إلى مصطلح رمزي يُستخدم لوصف الممارسات التي تقع داخل حدود التنافس الشريف، مقابل ما يحدث من تجاوزات وضربات تحت الحزام لا تمت للروح الرياضية ولا للأخلاق الإعلامية بصلة.

كتف قانوني في الساحة الشعبية

لقد أصبحت الساحة الشعبية اليوم مرتعًا لمظاهر غريبة من “الركل والرفس”، بل وحتى حركات تشبه “الننجا” التي يقصد بها لفت الأنظار. هذه الحركات كثيرًا ما تصدر من أشخاص عاجزين شعريًا أو إعلاميًا، فلا يجدون وسيلة لإثبات وجودهم إلا عبر استعراضات جوفاء. في المقابل، يظل كتف قانوني في حدود المقبول؛ لأنه يحدث ضمن قواعد اللعبة، فلا يمنح عليه إنذار ولا يُعد مخالفة صريحة.

غير أن المشهد المزعج يظهر حين يتحول النقد إلى غمز ولمز أو إلى ضربات موجعة لا تستهدف العمل ذاته، بل صاحب العمل. وهنا نفقد التوازن بين النقد الموضوعي وبين التجريح الشخصي، وتضيع القيمة الحقيقية للإعلام والشعر معًا.

كتف قانوني أم تجاوز؟

قد يحترم الناس أحيانًا من يمنحهم كتفًا قانونيًا في ميدان المنافسة، لأن ذلك يعكس الحدة الطبيعية في التنافس، التي تضفي إثارة وتشويقًا دون أن تخرج عن الأطر المسموح بها. لكن المشكلة تكمن حين يتحول الأمر إلى إسفاف وضرب من تحت الحزام، لأن الضارب لم يتمكن من الوصول إلى قامة خصمه، فاكتفى بضرب ما هو أمامه.

هنا يتحول التنافس إلى عراك، ويغيب الهدف الأسمى للإعلام وهو الإبداع وتقديم رسالة راقية للجمهور. إن كتف قانوني مشروع، لكن الضرب من تحت الحزام مرفوض؛ لأن الأول يقوم على احترام الخصم، بينما الثاني يعكس عجزًا وإحباطًا.

الإعلام بين الكتف القانوني والقدح المجاني

الإعلام ليس ساحة للانتقام الشخصي، بل فضاء رحب للتعبير والتأثير وبناء صورة إيجابية عن الذات والمجتمع. لكننا كثيرًا ما نصطدم بواقع مليء بالقدح واللمز، حيث يتحول بعض الأشخاص إلى “دمى” تحركها أيادٍ خفية، وأراجوزات تبحث عن الإثارة أكثر من البحث عن الحقيقة.

في هذا السياق، يُصبح كتف قانوني ضرورة للتفريق بين النقد الموضوعي والقدح المجاني. النقد الذي يلتزم بضوابط المهنة يمكن أن يكون قاسيًا لكنه بنّاء، أما النقد الذي ينزلق إلى التشويه فهو ضرب مباشر في المصداقية، لا يخدم أحدًا على المدى الطويل.

التنافس الشريف كقيمة أساسية

إن التنافس الشريف هو الذي يجعل الإعلام مدرسة للتعليم المستمر، وميدانًا لتبادل الخبرات والأفكار، ومكانًا لتقديم الصورة الحسنة عن الأشخاص والمؤسسات. حين يُمارس النقد بصدق، حتى لو كان حادًا، فإنه يندرج تحت عنوان كتف قانوني، أما حين يتخذ النقد صورة الضرب من تحت الحزام، فإنه يتحول إلى أداة هدم لا تبني ولا تُطور.

دروس من الكتف القانوني

  • الصدق والوضوح: النقد الحقيقي يكشف الأخطاء لكنه لا يطعن في النوايا.

  • الجرأة بضوابط: يمكن أن تكون قاسيًا في رأيك، لكن دون أن تُسيء للشخص أو تمس كرامته.

  • المسؤولية المهنية: الإعلامي أو الشاعر الذي يستخدم كتف قانوني بذكاء يعرف أن جمهوره يميّز بين النقد النزيه والهجوم المتعمد.

  • المستقبل للإبداع: الضرب من تحت الحزام قد يُحدث ضجيجًا مؤقتًا، لكن البقاء دائمًا للأعمال المميزة ذات القيمة.

خاتمة: الكتف القانوني والروح الرياضية في الإعلام

في نهاية المطاف، تبقى فكرة كتف قانوني رمزًا للتنافس المشروع داخل الساحة الإعلامية والأدبية. هو مساحة لا بأس بها من الحدة التي تُثري المشهد وتزيد من قيمته، شرط أن تبقى في حدود المسموح والمقبول. أما حين تتحول المنافسة إلى ضربات تحت الحزام، فإنها لا تعكس إلا عجز الضارب وفقدانه لأدوات التأثير الحقيقية.

الإعلام في جوهره رسالة نبيلة، هدفها الارتقاء بالوعي وتقديم الصورة المشرفة للمجتمع. لذلك لا بد أن نعود دومًا إلى القيم الأصيلة التي تجعل من النقد أداة بناء لا وسيلة هدم.

ولعل أبيات الشاعر الراحل بندر بن سرور تختصر هذه الحقيقة:

أنا الذي شفت الوزا يا سماعيل
طاوعت نفسي لين شفت الغليبة

النفس طير والخطايا محابيل
والناس روّاي الحديث تحكي به

إنها أبيات تؤكد أن الصدق في التجربة والوضوح في الكلمة أهم من أي قص ولزق أو ضرب تحت الحزام. فالبقاء للأصيل، حتى وإن تأخر ظهوره، أما الزيف فلا يدوم.


تقدم نصوص لماذا الصيف و “نجومية المنبر” و “يتساءلون”  قراءة فنية مزيجًا بين النقد الاجتماعي والتأملات الثقافية، لتكشف عن المواقف الفردية والجماعية بأسلوب واضح وجاذب. 

كتف قانوني

مقالات ذات صلة

مدارات التقت حامد زيد وهو على السرير الأبيض

السامر على قناة الواحة في حلقة خاصة

الشعر الشعبي بلاط جامعة الملك سعود

ماجد الشلهوب:طرح مساهة الياسمينة شمال الرياض السبت المقبل

في ليلة جمعت الشعر بالصحافة راديو وتلفزيون العرب يحتفي بالسامر

يا زبن لا تكتب بصفحة مدارات