ابن الأديب والمسؤول يكون أديبًا ومسؤولًا
معالي عبدالمحسن التويجري وإنصاف الشعر الشعبي في الثقافة السعودية
قراءة تحليلية في تجربة عبدالمحسن التويجري، ودوره في إنصاف الشعر الشعبي، وتعزيز مكانة الجنادرية بوصفها مظلة جامعة للثقافة والتراث في المملكة العربية السعودية.
في الحياة الثقافية السعودية، لا تُقاس القامات بما تشغله من مناصب، بل بما تتركه من أثر، وبالمواقف التي تتخذها حين يكون الصمت أسهل من الكلام. ومن بين هذه القامات يبرز اسم عبدالمحسن التويجري، بوصفه نموذجًا للمسؤول الذي لم ينفصل عن الثقافة، ولم يتعامل مع التراث بوصفه ملفًا إداريًا، بل باعتباره جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية.
هذا النص يتناول تجربة عبدالمحسن التويجري، ويناقش موقفه الواضح في إنصاف الشعر الشعبي، ودوره في ترسيخ مفهوم الثقافة الشاملة، من خلال مهرجان الجنادرية، ومن خلال فهم متقدم لدور المسؤول في حماية الموروث وبناء الوعي.
مدرسة الأدب والمسؤولية
لم يكن عبدالمحسن التويجري حالة منفصلة عن سياقها، بل هو امتداد لمدرسة راسخة جمعت بين الأدب والمسؤولية، تلك المدرسة التي أسسها والده الأديب والمسؤول الراحل الشيخ عبدالعزيز التويجري – رحمه الله – الذي مثّل نموذجًا نادرًا للمسؤول المثقف، المخلص لوطنه، والحاضر بوعيه الثقافي حتى آخر أيامه.
هذه النشأة تركت أثرها الواضح في شخصية الابن، فجمع بين الخبرة الإدارية، والتأهيل العلمي، والاتزان في الطرح، ليؤكد أن الجمع بين الثقافة والمسؤولية ليس ترفًا، بل ضرورة في بناء الدولة الحديثة.
الحرس الوطني… مفهوم يتجاوز المهام العسكرية
في إطار عمله في الحرس الوطني، وتحت قيادة صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالله، قدّم عبدالمحسن التويجري رؤية متقدمة لدور المؤسسة العسكرية، رؤية لا تختزل الأمن في السلاح، بل تربطه بالثقافة، والوعي، والانتماء.
فالحرس الوطني، في هذا الفهم، ليس جهازًا للحماية فقط، بل مؤسسة تساهم في صون الهوية، ودعم التراث، وبناء الإنسان، وهو ما انعكس بوضوح في الاهتمام المتواصل بالموروث الشعبي، والفعاليات الثقافية، والأنشطة الفكرية.
الجنادرية: مشروع ثقافي لا مهرجان عابر
حين تُذكر الجنادرية، فإن الحديث لا يدور حول فعالية موسمية، بل عن مشروع ثقافي وطني أسهم في رسم ملامح المشهد الثقافي السعودي لعقود. وقد كانت الجنادرية، منذ تأسيسها، مظلة جامعة لمختلف ألوان الإبداع، من شعر فصيح وشعبي، إلى فكر وتراث وفنون.
عبدالمحسن التويجري كان من الأصوات التي أكدت أن الجنادرية لم تُقصِ لونًا أدبيًا لحساب آخر، بل منحت كل شكل ثقافي مساحته الطبيعية، وأسهمت في مدّ الجسور مع المثقفين والمفكرين من داخل المملكة وخارجها.
إنصاف الشعر الشعبي… موقف معلن
في إحدى كلماته خلال المؤتمر الصحفي للجنادرية، جاء موقف عبدالمحسن التويجري واضحًا في الدفاع عن الشعر الشعبي، حين أكد أن هذا الشعر يمثل جزءًا كبيرًا من ذاكرة الجزيرة العربية، وأن معظم التراث الاجتماعي والتاريخي نُقل عبره.
لم يكن هذا الدفاع انحيازًا عاطفيًا، بل قراءة واعية لدور الشعر الشعبي بوصفه سجلًا حيًا للمجتمع، يحفظ لغته، وقيمه، وتحولاته، ويعبّر عن وجدانه في الفرح والحزن والحرب والسلم.
ضد التقليل… ومع التعدد الثقافي
في ردوده على بعض الآراء التي حاولت التقليل من شأن الشعر الشعبي، شدد التويجري على أن أي انتقاص من قيمته هو موقف غير منصف، ويعكس فهمًا قاصرًا للتنوع الثقافي. وأوضح أن الاختلاف بين الشعر الفصيح والشعبي لا يعني المفاضلة الإقصائية، بل التكامل داخل المشهد الثقافي الواحد.
كما أشار إلى أن كثيرًا من الملتقيات الثقافية الحديثة لم تكن لتبرز لولا البيئة التي صنعتها الجنادرية، ما يؤكد دورها في صناعة الثقافة، لا مجرد احتضانها.
مسؤولية الثقافة قبل المنصب
ما يميز تجربة عبدالمحسن التويجري هو أن مواقفه الثقافية لم تكن هامشية، ولا موسمية، بل نابعة من قناعة راسخة بأن المسؤولية الحقيقية تشمل الدفاع عن التراث، وحماية الذاكرة الوطنية، وإعطاء كل لون ثقافي حقه دون مجاملة أو إقصاء.
وهنا تتجلى قيمة المسؤول المثقف، الذي يدرك أن الثقافة ليست زينة للمناصب، بل أساس للاستقرار، وجسر للتواصل بين الماضي والحاضر.
خاتمة
إن إنصاف الشعر الشعبي، والدفاع عن الجنادرية، والربط بين الأمن والثقافة، كلها مواقف تُحسب لعبدالمحسن التويجري، لا بوصفه مسؤولًا فقط، بل بوصفه ابن مدرسة أدبية وإدارية آمنت بأن الوطن يُبنى بالوعي، كما يُحمى بالقوة.


لجمهور “مخاوي الليل”، إليكم الحوار الخاص والمميز مع: [الفنان / خالد عبدالرحمن].