انتهى الشعراء: قراءة نقدية في زمن اختفاء القصيدة الأصيلة
في زمن تراجع الذائقة الشعرية وغياب الأصالة، يبدو أن عنوان “انتهى الشعراء” لم يعد مجرد عبارة عابرة، بل توصيف واقعي لمشهدٍ تتصدره الأصوات المصطنعة. هذا النص يتأمل بحزن ووعي في تحولات الساحة الشعبية، وكيف فقد الشعر معناه العميق وجماله الصادق وسط ضجيج الاستعراض والتقليد.
في يوم السبت الموافق 16 مارس 2013، كتب النص بعنوان “انتهى الشعراء” ليعبّر عن مرحلة حساسة في مسيرة الشعر الشعبي، مرحلة بدت فيها الساحة الشعرية كما لو أنها فقدت صوتها الحقيقي. لم يعد الشعر كما كان في زمن الرواة والصفوة، بل أصبح نسخة مشوهة تكرّر نفسها دون روح. الكاتب هنا لا يطلق حكمًا مطلقًا، بل يطرح سؤالًا وجوديًا عن معنى الشعر في زمن الازدحام اللفظي، عن الصدق الذي ضاع بين التملق والظهور الإعلامي، وعن الأصوات التي ارتفعت دون أن تملك ما تقول.
الشعر — كما كان — لا يموت، لكنه يُصاب بالخذلان حين يتقدمه من لا يملكون أدواته. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لصرخة النص “انتهى الشعراء”، لا بمعناها العدمي، بل كصرخة استغاثة لعودة الجمال الأصيل، لعودة القصيدة التي تُكتب بالوجدان لا بالغرور.
من زمن الأصالة إلى زمن الاصطناع
في السابق، كان الشعراء رواةً حقيقيين، يختزنون في صدورهم إرثًا من الحكمة والجمال، وينتقل الشعر بينهم كما تنتقل القيم بين الأجيال. كان الشعر مرآةً للمجتمع، يعبّر عن نبض الناس ومشاعرهم الصادقة. أما اليوم، في زمن الضوضاء الرقمية ووسائل الإعلام المتكاثرة، صار من السهل أن يُعلن كل كاتب نفسه شاعرًا، وأن يُنشر كل ما يُكتب دون فلترة أو وعي نقدي.
وهنا يظهر المعنى المؤلم لعبارة “انتهى الشعراء”، ليس لأن الشعر غاب، بل لأن المساحات امتلأت بأصوات لا تعرف من الشعر سوى القافية. صار الإيقاع بديل المعنى، والشهرة بديلاً للموهبة، والمجاملة طريقًا للتصدر. والنتيجة؟ تراجع الذائقة العامة، وانحدار المشهد الشعري إلى مجرد صدى أجوف لقصائد متشابهة ومكرّرة.
دور الإعلام في تسطيح الشعر
من القضايا الجوهرية التي يطرحها النص أن الإعلام لم يعد حاملًا للرسالة الشعرية، بل صار — في بعض الأحيان — شريكًا في إفساد الذوق. كثير من المنابر الإعلامية تسعى اليوم وراء الأسماء لا وراء النصوص، فتلمّع أسماء معينة وتغيب أسماء أخرى، وتُنتج “نجومًا” شعريين على الورق، بينما تختفي القصيدة الصادقة بين زوايا النسيان.
وهنا يتأكد مرة أخرى أن انتهى الشعراء ليست دعوى يائسة، بل نقدٌ لواقعٍ صاغه التكرار والمحاباة. فالشعر لا يحتاج إلى “تطبيل”، كما يقول النص، بل إلى صدقٍ في التقديم والطرح. الشعر الجيد يفرض نفسه دون ضجيج، أما الرديء فلا يرفعه إلا تلميع مصطنع، وهذا ما يحدث في كثير من المنصات اليوم.
الشعراء الحقيقيون بين التهميش والغياب
الشعراء الحقيقيون ما زالوا موجودين، لكن أصواتهم تُهمَّش لأنهم يرفضون المسايرة. يكتبون بصدق، في زمنٍ يُكافأ فيه من يجيد التسويق أكثر مما يجيد الكتابة. يتوارون لأنهم لا يملكون فرقًا إعلامية أو حسابات مدفوعة أو علاقات نفعية. وهكذا يصبح المشهد مزدحمًا بمن “ظهروا”، بينما من “يستحقون الظهور” يقفون في الظل.
في هذه النقطة، يمكن أن نقرأ النص بوصفه وثيقة دفاع عن جوهر الشعر، واحتجاجًا على زمن سُلب فيه المعنى من الكلمات. وكأن الكاتب يهمس للقارئ: إذا انتهى الشعراء في الساحة، فلأننا سمحنا بذلك، حين صمتنا أمام الرداءة واحتفينا بالتكرار.
استعادة القيمة الشعرية
النص لا يُغلق الباب على الأمل، بل يدعو إلى عودة الصدق الشعري، إلى استعادة روح القصيدة التي كانت يومًا حديث المجالس ومصدر الإلهام. فحين يُنقّى الشعر من الزيف، تعود له قيمته الحقيقية كمرآة للمجتمع وروحٍ للأمة.
ولعلّ في النداء الذي يختم به الكاتب رسالته دعوة واضحة لإحياء الذائقة: أن نعيد للشعر احترامه، وأن نُفرّق بين الشاعر والمستشعر، بين القصيدة والعبارة، بين الفن والادعاء.
الشعر بين البكاء والأمل
يختم النص بمقطع شعري يحمل وجع الفقد والخيبة:
من أول ضحكات ومزوح وأفراح
واليوم ونات تتابع باثرها
زفة ليالي ضحكتي راحت أتراح
وآمالي الكبرى تقطع شجرها
هذه الأبيات تختصر حكاية الشعر نفسه — ضحك البدايات وحزن النهايات — كما تختصر مأساة الساحة التي فقدت بهجتها الأصيلة. لكنها أيضًا تُبقي نافذة الأمل مفتوحة؛ فالشعر، مهما ضعف، لا يموت ما دام في القلوب من يشعر به.
خلاصة القول
إن القول بأن انتهى الشعراء ليس إعلان وفاةٍ للشعر، بل إعلان ولادة وعيٍ نقدي جديد، يرفض الزيف ويدعو إلى التجديد الحقيقي. الشعر الأصيل لا يُقاس بعدد المتابعين أو حجم التصفيق، بل بقدر الصدق في الكلمة والعُمق في المعنى.
وإذا كانت المرحلة الحالية قد شهدت تراجعًا في الذائقة، فإن الوعي النقدي — مثل هذا النص — هو أول طريق العودة إلى صفاء الكلمة وخلود القصيدة.
هل انتهى الشعراء فعلًا؟
ربما انتهت الأضواء الزائفة، لكن الشعر باقٍ ما بقي في القلوب من يكتبه بإخلاص.
يمكن للقراء متابعة نصوص ومقالات إضافية داخل الموقع تستعرض محطات مهمة من تاريخ القيادة السعودية، وتوضح معاني التلاحم الوطني بين الشعب وقيادته، مما يثري التجربة القرائية ويمنح رؤية متكاملة عن المجتمع السعودي.
