ليل وقصيد ، لقاء شامل مع الشاعر سلطان الهاجري وتجربة شعريّة متكاملة
في حلقة استثنائية من برنامج “ليل وقصيد”، يطلّ الشاعر سلطان الهاجري ليقدّم تجربة شعرية متكاملة تتجاوز حدود الاستعراض الإعلامي التقليدي، ليفتح نافذة صادقة على مسيرته وأفكاره وممارساته الشعرية. اللقاء الذي انقسم إلى عدة أجزاء، لم يقتصر على سرد المسيرة أو الإنجازات، بل غاص في جوهر الشعر ذاته، واستكشف أبعاد المحاورة، الذائقة الشعرية، وتحولات المشهد الشعري في الخليج، مقدّمًا رؤية متوازنة بين التقاليد الشعرية وقيم الإبداع المعاصر. هذا اللقاء يقدّم فرصة للمتابع لفهم سلطان الهاجري كشاعر يبحث عن الحقيقة في الشعر، لا مجرد حضور إعلامي عابر، كما يوضح كيف يمكن للقصيدة أن تكون مشروعًا إنسانيًا ومعرفيًا يتجاوز حدود الكلمة المكتوبة.
من اللحظة الأولى، يتضح أن سلطان الهاجري لا يتحدث من موقع الباحث عن التصفيق أو الشهرة، بل من موقع التجربة والمعايشة. خبراته في مجال الشعر، والممارسات التي خاضها منذ بداياته، منحته رؤية نقدية متوازنة تجمع بين الاعتراف بقيمة المحاورة والتقاليد، والتحفظ على ما أحدثه الإعلام أحيانًا من تشويه للقيمة الشعرية للقصيدة. هذا المزيج بين الواقعية والوعي يجعل اللقاء أكثر من مجرد مقابلة؛ فهو قراءة دقيقة لشاعر يفكر في الشعر كمسؤولية قبل أن يكون فنًا، ويتعامل مع الجمهور بصدق دون تلميع أو تزييف للواقع الشعري.
الجزء الأول: البدايات، التكوين الشعري، وتحديات النشر
في البداية، استعرض سلطان الهاجري بداياته في المنطقة الشرقية، مؤكدًا أن الشعر لا يولد فجأة، وأن الوصول إلى النضج الشعوري والفكري يتطلب سنوات طويلة من القراءة، الاستماع، الممارسة، والتراكم المستمر للتجربة. شدّد على أن الأخطاء جزء من هذه العملية، وأن التجربة الشعرية الحقيقية تتشكل من خلال التعلم المستمر، وليس من خلال صقل الموهبة بصورة سريعة أو مفاجئة. وبيّن أن النشأة في بيئة شفهية وسماعية لا تقلل من قيمة التجربة، بل تزيدها عمقًا من خلال الملاحظة، الوعي، والنقاش المستمر مع المحيطين، وهو ما اعتبره “مدرسة المعلّم الذاتي”.
تطرق سلطان الهاجري أيضًا إلى تحديات النشر الأولى التي واجهته، مؤكدًا أن فشل نشر قصيدة لا يعني بالضرورة فشلها، بل هو جزء طبيعي من حياة الشاعر. وتوقف عند مواقف دعم بعض الشعراء القدامى له، معتبرًا أن هذا الدعم كان بمثابة ضوء يوجه المبدع ويعطيه مساحة للتطور، مقارنة بالذائقة التحريرية العابرة التي قد تتجاهل القيمة الحقيقية للقصيدة. كما أوضح الفرق بين “الشاعر” و”الناظم”، وبين الشهرة والإبداع، مشيرًا إلى أن الإعلام في كثير من الأحيان يرفع أسماء بلا عمق شعري، تاركًا المبدعين الحقيقيين في الظل، ما يؤثر على الذائقة العامة للجمهور.
شاهد الجزء الأول من هنا:
الجزء الثاني: المحاورة، الإعلام، والتقدير الجماهيري
في الجزء الثاني من اللقاء، انتقل الحوار إلى المحاورات الشعرية والتجارب الجماهيرية، حيث ناقش سلطان الهاجري مشاركاته في الأمسيات والمحاورات، موضحًا أن هدفه كان إيصال صوته الشعري بصدق، بعيدًا عن البحث عن الشهرة السطحية. شدّد على الفرق بين التنازل عن القيم الشعرية، وهو ما يرفضه جملةً وتفصيلًا، وبين التنازل عن الراحة والجهد في سبيل إيصال الشعر إلى الجمهور، مؤكدًا أن هذا الجهد يعكس مسؤولية الشاعر وحرصه على صون أصالة النص.
كما ناقش ضرورة خروج الشعراء من “البرج العاجي” الذي يختبئ فيه بعضهم، موضحًا أن القصيدة إذا لم تُدافع عن نفسها ستبتلعها ضوضاء الإعلام والضجيج الثقافي. وتحدث عن تقدير الجماهير للفخر القبلي في الأمسيات الشعرية، نافياً أن يكون هذا التقدير استجداءً، بل هو مشروع حين يُوظف بالشكل الصحيح دون مبالغة أو إلغاء للآخر. واعتبر أن المكاسب الجماهيرية التي حققها عبر مشاركاته في المحاورات تعكس قيمة القصيدة وتفاعل الناس معها، ما يضيف إلى التجربة الشعرية بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا مهمًا.
شاهد الجزء الثاني من هنا:
قراءة في تجربة سلطان الهاجري
ما يميز هذا اللقاء هو الصدق والابتعاد عن الشعارات الجاهزة. قدم نفسه كشاعر يتحمل مسؤولية القصيدة، ويعتبر المحاورة والإعلام أدوات يمكن أن ترفع الشعر أو تسيء إليه بحسب طريقة إدارة هذه الأدوات. كشف اللقاء عن شاعر يجمع بين الصرامة الفنية والوعي الجماهيري، والقدرة على الحفاظ على أصالة الشعر الشعبي دون التنازل عن المضمون. كما أظهر الحوار أن سلطان الهاجري يرى الشعر مسؤولية ثقافية وأخلاقية، وأن أي قصيدة تُكتب يجب أن تصمد أمام النقد والمعايشة الجماهيرية، دون أن تخضع للضغوط الإعلامية أو للتقدير الزائف.
الخلاصة
لقاء سلطان الهاجري في برنامج “ليل وقصيد” لم يكن مجرد حوار تلفزيوني، بل شهادة شاعر على زمن شعري مليء بالتحديات والتحولات. من خلال جزأين متكاملين، كشف عن تجربة ناضجة تؤمن بأن الشعر الحقيقي قد يتأخر، لكنه لا يضيع، وأن البقاء في الذاكرة أهم من البقاء تحت الأضواء. هذا اللقاء يعكس رؤية متوازنة لشاعر واعٍ، يجمع بين الصرامة الفنية والوعي الجماهيري، مقدّمًا نموذجًا للتعامل مع الشعر كمسؤولية ثقافية قبل أن يكون مجرد فن.
وتتواصل التجارب الشعرية مع الشاعر بندر المحيا، الذي يقدّم في ليل وقصيد تجربة تجمع بين الحس الإنساني والوعي الشعري.