ليل وقصيد لقاء خاص مع الشاعر بندر المحيا
يطلّ الشاعر بندر بن محيا ضيفًا على برنامج ليل وقصيد في لقاء شعري ثري، انقسم إلى جزأين، وقدّم صورة صادقة لتجربة شاعر يتعامل مع القصيدة بوصفها مشروعًا معرفيًا وإنسانيًا، لا مجرد حضور إعلامي عابر. اللقاء لم يكن استعراضًا لمسيرة، بقدر ما كان حوارًا عميقًا حول الشعر، والإعلام، والذائقة، والتحوّلات التي أصابت المشهد الشعري في الخليج.
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن بندر المحيا لا يتحدث من موقع الباحث عن التصفيق، بل من موقع الشاعر الذي خاض التجربة، واحتكّ بالمنابر، وخرج منها برؤية نقدية متوازنة، تجمع بين الاعتراف بأهمية الإعلام، والتحفّظ على ما أحدثه من تشويه أحيانًا لقيمة القصيدة.
الجزء الأول: البدايات، التكوين الشعري، ومعركة النشر
في الجزء الأول من اللقاء، عاد بندر المحيا إلى بداياته الشعرية، مؤكدًا أن الشاعر لا يبدأ من حيث انتهى الآخرون، بل من نقطة متواضعة تتشكل عبر القراءة، السماع، والتراكم الطويل. شدّد على أن الشعر لا يُولد فجأة، بل يُصاغ عبر سنوات من الإنصات، والتجربة، والخطأ، قبل الوصول إلى النضج الفكري والشعري.
وتوقف المحيا عند مسألة “المعلّم”، موضحًا أن الشعر في بيئة شفاهية وسماعية لا يحتاج دائمًا إلى معلّم تقليدي، بقدر حاجته إلى الوعي، والملاحظة، والنقاش مع المقرّبين، وفهم الأوزان، والبحور، واللغة. وأشار إلى أن اطلاعه المبكر على الشعر، ووجود أخيه الشاعر مشعل بن محيا، شكّلا رافدًا مهمًا في تكوينه، لا باعتباره ظلًا، بل علاقة تكامل وتجاور إبداعي.
وتناول اللقاء تجربة النشر الأولى، والصعوبات التي واجهها، مؤكدًا أن فشل النشر لا يعني فشل القصيدة. استعاد موقفه مع الشاعر الراحل محمد الكثيري، الذي آمن بنصّه ودافع عن نشره في صفحة كاملة، في مشهد يلخّص أهمية الذائقة الحقيقية في مقابل الذائقة التحريرية العابرة. وأوضح أن الإحباط جزء أصيل من حياة الشاعر، وأن القلق الشعري لا يغادر المبدع الحقيقي مهما بلغ من التجربة.
كما تطرّق إلى الفارق بين “الشاعر” و”الناظم”، وبين الشهرة والإبداع، معتبرًا أن الإعلام في كثير من الأحيان يرفع من لا يملك عمقًا شعريًا، ويترك المبدعين الحقيقيين في الظل، وهو ما أدى إلى تراجع الذائقة العامة، لا بسبب الجمهور، بل بسبب ما يُقدَّم له.
شاهد الجزء الأول من هنا:
الجزء الثاني: الإعلام، شاعر المليون، وسؤال التنازل
في الجزء الثاني، انتقل الحوار إلى محاور أكثر حساسية، حيث ناقش بندر المحيا مشاركته في برنامج شاعر المليون، موضحًا أن دخوله لم يكن بحثًا عن لقب، بل عن مساحة يقدّم فيها صوته الشعري للجمهور. أكّد أن المشاركة كانت خطوة محسوبة، تطلّبت تضحيات على مستوى الوقت، والدراسة، والحياة الخاصة، لكنها لم تكن يومًا تنازلًا عن المبدأ.
فرّق المحيا بوضوح بين التنازل عن القيم، وهو ما يرفضه تمامًا، وبين التنازل عن الراحة أو الجهد في سبيل إيصال الشعر. واعتبر أن الخروج من “البرج العاجي” الذي يختبئ فيه بعض الشعراء ضرورة في هذا الزمن، لأن القصيدة إن لم تُدافع عن نفسها، سيبتلعها الضجيج.
وتوقف عند مسألة الفخر القبلي في الأمسيات، نافياً أن يكون استجداءً للجمهور، ومؤكدًا أن الفخر غرض شعري مشروع حين يُوظّف في سياقه الصحيح، دون إلغاء للآخر أو مبالغة. كما شدّد على أن تجربته في البرنامج منحته محبة الناس، واتساع الدائرة الجماهيرية، وهو مكسب لا يمكن إنكاره.
وتناول المحيا الجدل الذي أعقب البرنامج، ومواقف الشعراء المختلفة منه، مؤكّدًا أنه اختار الامتنان بدل الخصومة، والصمت بدل السجال، احترامًا لتجربة وجد فيها كرمًا، وضيافة، وتقديرًا حقيقيًا للشعر، مع اعترافه بأن الكمال غير موجود في أي تجربة إنسانية.
الجزء الثاني كشف جانبًا إنسانيًا أكثر هدوءًا في شخصية بندر المحيا، شاعرًا يدرك موقعه، ولا يزاحم على الضوء، لكنه في الوقت ذاته لا يتنازل عن حقه في الظهور حين يكون حضوره إضافة حقيقية.
شاهد الجزء الثاني من هنا:
قراءة في تجربة بندر المحيا
ما يميّز لقاء ليل وقصيد مع بندر المحيا هو صدقه، وابتعاده عن الشعارات الجاهزة. قدّم نفسه بوصفه شاعرًا يرى أن القصيدة مسؤولية، وأن الإعلام أداة، يمكن أن ترفع الشعر أو تسيء إليه، بحسب من يديرها.
الخلاصة
لقاء بندر المحيا في ليل وقصيد لم يكن مجرد حوار تلفزيوني، بل شهادة شاعر على زمن شعري مضطرب. عبر جزأين متكاملين، كشف عن تجربة ناضجة، تؤمن بأن الشعر الحقيقي قد يتأخر، لكنه لا يضيع، وأن البقاء في الذاكرة أهم من البقاء تحت الأضواء.
كما يمكن للقراء الاطلاع على تجربة الشاعر عواد بن طواله ضمن لقاءاته في برنامج ليل وقصيد، حيث تتجلى القصيدة بوصفها موقفًا وفكرًا.