من فقد عبدالله السلوم؟

/

/

من فقد عبدالله السلوم؟

عبدالله السلوم

عبدالله السلوم لم يكن مجرد اسم عابر في ذاكرة المجتمع، بل كان نموذجًا لرجلٍ عاش حياته بصمتٍ نبيل وترَك أثرًا يبقى في القلوب مهما طال الزمن. النص «من فقد عبدالله السلوم؟» المنشور يوم الجمعة 25 أكتوبر 2002، ليس رثاءً تقليديًا، بل وثيقة إنسانية تسلّط الضوء على شخصية فريدة، وعلى غياب رجلٍ يشبه الأعمدة التي لا نشعر بقيمتها إلا بعد أن تنهار فجأة. منذ السطور الأولى يُدرك القارئ أننا أمام تجربة فقدٍ مختلفة، لأن الحديث هنا يتجاوز حزن العائلة إلى حزن المجتمع، ويتجاوز الموت باعتباره قدرًا محتومًا إلى الغياب باعتباره فراغًا يصعب ملؤه.

كان عبدالله السلوم شخصية تجمع بين الأدب والأخلاق، وبين العمل العام والعمل الإنساني، وبين حضورٍ رسمي في الإدارة وبين حضور شعبي في نفوس من عرفوه. لذلك يأتي النص محمّلًا بألم حقيقي، لا مجرد كلمات، لأن الكاتب لا ينعى موظفًا، ولا يودّع شاعرًا، بل يودّع أخًا وصديقًا ورجلًا عرف مكانه في كل قلبٍ مرّ به. يتساءل النص في بدايته: من فقد عبدالله السلوم؟ والسؤال ليس استفهامًا بقدر ما هو محاولة لتوزيع الحزن بعدلٍ بين الذين عاشوا معه وارتبطوا به، لأنه لم يكن ينتمي لفئة واحدة، ولا لمكان واحد، بل كان حاضرًا في أكثر من دائرة إنسانية.

معنى الفقد حين يكون الرجل أكبر من دوره

تتجاوز قيمة عبدالله السلوم أدواره ومسمياته. فالرجل الذي كان سكرتيرًا خاصًا للأمير سلمان – كما يذكر النص – لم يُعرَف بقدر منصبه بقدر ما عُرف بقدر إنسانيّته. كان من أولئك الذين يؤدون أعمالهم بصمت وثبات، دون ضجيج أو حديث عن إنجازاتهم، ودون انتظار عرفانٍ من أحد. لذلك كان الفقد مؤلمًا، لأن الشخصيات التي تعمل بلا أضواء تُفاجئ المجتمع حين ترحل، فتبقى الساحة بعدها خالية من الصدق الذي اعتاد الناس رؤيته.

ويشير النص إلى أن الكثيرين شعروا أن جزءًا من حياتهم قد انطفأ. فهناك من فقد أخًا، ومن فقد أبًا، ومن فقد صديقًا، ومن فقد المدرس والموجّه والمستشار، وهناك من فقد اليد الحانية التي كانت تمتد في الخفاء لتعين الفقراء والمحتاجين، خاصة في شهر رمضان الذي اعتاد عبدالله السلوم أن يجعل منه موسم خيرٍ لا يعلم تفاصيله إلا الله ومن شملتهم عنايته.

عبدالله السلوم بين النسيم الأخلاقي والحضور الإنساني

تتجلّى الصورة الأخلاقية لـ عبدالله السلوم في النص بشكل واضح. فهو الرجل الذي كان يخرج الصدقات دون أن تعلم شماله ما أنفقت يمينه، والرجل الذي كان يوازن بين منصبه الرسمي وبين واجبه الأخلاقي تجاه المجتمع. لم يكن يتعامل مع الناس من موقع القوة أو النفوذ، بل من موقع الأخوّة والرحمة. وهذه الصفات تُفسّر لماذا كان الحزن عليه واسعًا، ولماذا تسابق الكثيرون في الحديث عنه والدعاء له بعد رحيله.

كان الرجل مدرسةً في الأخلاق، ليس من خلال الخطب، بل من خلال الممارسة اليومية. فالمواقف التي تُروى عنه تكشف طبيعة إنسان عاش للآخرين قبل أن يعيش لنفسه. ولذلك حين ينادي النص بالدعاء له والصدقة عنه، فهو لا يفعل ذلك من باب سد حاجةٍ أو نقص، بل من باب ردّ الجميل لشخصٍ كان مثالًا للوفاء الإنساني.

من فقد عبدالله السلوم؟ دائرة تمتد ولا تنتهي

يتكرر السؤال في النص لأن الفقد لم يكن شخصيًا ولا محدودًا. وكل مرة يُطرح السؤال يحمل معه وجهًا جديدًا من وجوه الرجل. فهل فقده أبناؤه؟ نعم. وهل فقده أصدقاؤه؟ نعم. وهل فقده الشعراء والإعلاميون والموظفون؟ أيضًا نعم. لكنه قبل ذلك فقده الصغار الذين كان يعطف عليهم، والفقراء الذين كان يعينهم، وجماعة المسجد التي كانت تعرف حضوره الدائم.

وتصوير الفقد بأنه جماعي هو أدق ما في النص؛ فهو يرسم حجم الرجل عبر حجم الحزن عليه، ويجعل من اسمه جسرًا يربط بين الناس الذين أحبوه بصدق.

البُعد الديني والوجداني في النص

في لحظة الحزن، يتحول النص من سرد تاريخي إلى خطابٍ وجداني. يذكّر الكاتب بأن الموت قدر، وأن الرحمة أوسع من الفقد، وأن ما يتركه الإنسان بعد موته هو ما يحدد قيمته الحقيقية. ومن هنا تأتي الدعوة للصدقة عنه، وللدعاء له في كل وقت، لأن الخير الذي فعله يستحق أن يُستمر في جريانه.

كما يحرص النص على أن تكون الخاتمة دعاءً صادقًا، لا يقتصر على عبدالله السلوم وحده، بل يمتد إلى جميع موتى المسلمين، وكأن الكاتب يريد أن يضع الحزن الخاص داخل سياق إنساني أكبر، يخفف ألم الفقد ويذكّر بأن الرحمة تشمل الجميع.

الشعر شاهدًا على محبة الناس

إضافة أبيات الرثاء في نهاية النص تمنح القارئ بُعدًا آخر لتجربة الفقد. فهي ليست تزيينًا لغويًا، بل جزء من رسم الصورة الكاملة لـ عبدالله السلوم. الأبيات تفيض بالشجن والاعتراف بفضله، وتؤكد أن الرجل كان يستحق الرثاء لأنه كان يستحق الحياة التي عاشها بكرامة وطيبة.

خاتمة

يبقى نص «من فقد عبدالله السلوم؟» شهادة حيّة على رجل عاش شامخًا ورحل كريمًا. لم يترك وراءه ثروة ولا ضجيجًا، بل ترك أثرًا إنسانيًا عميقًا. وكل من يقرأ هذا النص يشعر أن الفقد لم يكن لحظة، بل مسارًا يفتح بابًا لتذكر رجلٍ ترك في كل قلب علامة.


قد يختلف الزمن وتبقى القيم. فمن أراد أن يرى صورة القائد الإنسان، فليقرأ «فهد الإنسانية (1-4)»، ومن أراد فهم السياسة بحكمة فليتأمل «فهد السياسة (2-4)»، أما «فهد العلم (3-4)» و «فهد الإسلام والسلام (4-4) » فهما شاهدان على فكرٍ تنويري لا يزول أثره.

عبدالله السلوم

مقالات ذات صلة

أخو لجعه.. قلق ومجد 1-3

راكان شاعر الفرسان وفارس البيان ابن حثلين قلق.. ومجد 2-3

ابن حثلين قلق ومجد الحلقة الثالثة والاخيرة

السامر ختام .. هلا فبراير

السامر بين نجران والرياض

يا سيدي ياسيد كل السيادات