في وداع سلطان بن جهجاه بن حميد: رمز من رموز القيادة والعطاء
في وداع سلطان بن جهجاه بن حميد، نستحضر سيرة شيخٍ عظيم جمع بين الزعامة والتواضع، وبين القوة والحكمة. مقال يوثّق رحلة رجلٍ ترك بصمته في التاريخ، ومواقف لا تُنسى في ميادين الكرم والشهامة والإصلاح.
في الأول من ديسمبر عام 2002، خيّم الحزن على ديار القبيلة، إذ ودّع الناس أحد كبار الرجال وأبرز رموز الأصالة في زمنٍ كانت المواقف فيه تُقاس بالصدق والوفاء، لا بالمظاهر والمناصب. كان ذلك اليوم يومًا مختلفًا، يومًا حمل في طياته ألم الفقد، ووجع الغياب، حين غاب سلطان بن جهجاه بن حميد، شيخ الكلمة والموقف، ورجل المروءة والهيبة الذي عاش نقيّ السيرة وترك أثرًا خالدًا في ذاكرة كل من عرفه.
سلطان بن جهجاه بن حميد: رجل جمع الهيبة بالحكمة
عُرف سلطان بن جهجاه بن حميد بصفاته التي ندر أن تجتمع في رجلٍ واحد. فقد كان قوي الحجة، فصيح اللسان، ثابت المبدأ، لا يتردد في قول الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم. حمل مسؤولياته تجاه قبيلته بكل إخلاصٍ وشرف، وكان يرى في الزعامة مسؤولية لا مصلحة، وتكليفًا لا تشريفًا.
اتسمت حياته بالبساطة رغم ما كان له من مكانة رفيعة بين الناس. تواضعه جعل الكبير يحترمه، والصغير يحبه، وخصومه يهابونه. كان إذا تكلم أنصت الجميع، وإذا قرر مضى بثقةٍ مستمدةٍ من إيمانه العميق بالله وعدالة قضيته.
سيرة خالدة ومواقف لا تُنسى
لم يكن سلطان بن جهجاه بن حميد زعيمًا بالمظهر، بل زعيمًا بالمواقف. كان حضوره كافيًا ليمنح الناس شعورًا بالأمان، وكلمته تحمل وزنها بين المجالس والقبائل. اشتهر بالكرم الواسع، وحسن المعشر، والوفاء لأهله وأبناء عمومته، وكان لا يتأخر عن نصرة المظلوم أو مساعدة المحتاج.
عُرف عنه أنه يجمع بين الأصالة والحداثة، يعتز بجذوره القبلية ولكنه يرحب بالتطور والمعرفة. لم يكن أسير الماضي، بل حافظ عليه بحكمة، ليقدمه نموذجًا للأجيال القادمة عن معنى الزعامة الحقيقية.
مكانته في قلوب الناس
كان رحيل سلطان بن جهجاه بن حميد فاجعةً حقيقية لكل من عرفه أو سمع عنه. لم تبكِه قبيلته فقط، بل بكاه كل من تعامل معه بصدقٍ أو عرف مواقفه النبيلة.
لقد كان رجلًا يحمل قلبًا كبيرًا، يسعى للصلح، ويكره الخلاف، ويقدّر الكلمة الطيبة. عرفه الجميع بابتسامته الهادئة وصوته الرزين، وبمواقفه التي تُثبت أن الرجولة ليست بالصوت العالي، بل بثبات المبدأ وحكمة القرار.
سلطان بن جهجاه بن حميد بين الورع والإخلاص
في كل ما فعله، كان الإيمان هو البوصلة التي توجه سلطان بن جهجاه بن حميد. كان يخاف الله في قوله وفعله، ويؤمن أن القيادة لا تقوم إلا على التقوى والعدل.
ولم يكن سعيه في الإصلاح بين الناس إلا امتدادًا لذلك الإيمان العميق الذي سكن قلبه، فكل من عرفه عن قرب شهد له بأنه رجل صلاةٍ وزهدٍ، لا تغريه الدنيا ولا تفتنه المناصب.
رحل وهو راضٍ، تاركًا وراءه ذكرًا طيبًا وسيرة عطرة تملأ القلوب نورًا وسكينة.
إرث خالد لا يمحوه الزمن
يبقى سلطان بن جهجاه بن حميد مثالًا للشيخ الذي جمع بين الزعامة الأصيلة والرؤية الواسعة. سيظل التاريخ يذكره كرمزٍ من رموز الكرم العربي والشهامة والاعتدال.
فقد كان المرجع في الأزمات، والسند في الملمات، والقدوة في التواضع والحكمة. كانت كلماته تزرع الطمأنينة في النفوس، ومواقفه تُلهب الحماسة في القلوب.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن يُجمع الجميع على حبه واحترامه، وأن تبقى سيرته تُروى جيلاً بعد جيل، شاهدةً على أن القيم الأصيلة لا تموت، بل تعيش في وجدان الناس ما دام هناك من يقدّرها.
رثاء خالد في الذاكرة
قال جده الراحل حين بلغه خبر شفاء سلطان بن جهجاه بن حميد، وهو لا يعلم بمرضه أصلًا، كلماتٍ خالدة تصف معدن هذا الشيخ الجليل، وتكشف عن مكانته بين الرجال، فقال:
شيخٍ ولد شيخٍ براسه زعامه
من روس قوم وشيخةٍ مستقيمه
معربٍ ساسه خواله عمامه
من قبل شيختهم عليهم قديمه
حمولةٍ فيها الكرم والشهامه
وأجواد ما نرضى عليهم هضيمه
كانت هذه الأبيات شهادةً قبل الرحيل، وكأنها وثيقة حبٍ واعتزازٍ تصف سيرة رجلٍ نادرٍ في زمانه، ورمزٍ من رموز الفخر والهيبة.
الخاتمة: وداع لا يشبه الوداع
رحم الله سلطان بن جهجاه بن حميد، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته.
لقد رحل جسده، لكن سيرته باقية، وصورته في ذاكرة الناس لا تغيب. علّمنا أن الزعامة ليست صخبًا، بل عطاء، وأن المروءة لا تُشترى، بل تُغرس في النفوس.
سيبقى اسمه حاضرًا في المجالس والذاكرة، كعلمٍ من أعلام الوفاء، وركنٍ من أركان العزة، ونموذجٍ نادر لرجلٍ عاش كبيرًا، ومات كريمًا.
تظل الكتابة رحلةً نحو الذات، ومحاولةً لفهم هذا العالم المزدحم بالأسئلة. ومن أراد أن يتأمل أكثر، فليقرأ «بين السماء والأرض» بما تحمله من عمق، و «رعاش» التي تلامس الهشاشة الإنسانية، ثم ينتقل إلى «العقلانية في كتَّاب الساحة» حيث الفكر والحوار، ويختم بـ «حكم لحصيف» التي تختصر التجربة في سطر.
