هزل أمسيات – حين فقد الشعر هيبته وبات المشهد مهزلة
في نهاية عام 2003، كتب النص الشهير “هزل أمسيات” بجرأةٍ لافتة، ليكشف عن أزمة حقيقية عاشها المشهد الشعري آنذاك، عندما تحوّل الشعر من تكريمٍ وتقديرٍ لأهل الإبداع، إلى عرضٍ استعراضي تُدار فيه الأضواء لا على النصوص، بل على الوجوه. هذا النص لم يكن مجرّد تعليق عابر، بل كان صرخة وعي ضد تمييع الأمسيات الشعرية وتحويلها إلى ساحة ترفيه أكثر منها منبرًا أدبيًا.
لقد تناول “هزل أمسيات” ظاهرة تحوّل الأمسيات الشعرية إلى مهزلة علنية كما وصفها الكاتب، بعد أن كانت منصّة لتكريم الشعراء المبدعين. كان الهدف من الأمسية في الأصل هو الاحتفاء بالكلمة والوزن والرسالة، لا استعراض المظاهر أو محاولة لفت الأنظار إلى من لا يملكون أدوات الشعر ولا روحه.
حين يتحول الشعر إلى مشهد تسويقي
يبدأ النص بتحليل دقيق لتغيّر وظيفة الأمسيات الشعرية، فيقول إنّها كانت تكريمًا للشاعر المميز، ثم تحولت إلى خطوة أولى في عالم “النجومية”. وهي عبارة تختصر المأساة: إذ لم يعد الشعر يكرّم صاحبه، بل صار هو وسيلته إلى الشهرة، حتى لو كانت زائفة.
ويكشف “هزل أمسيات” في فقراته التالية عن مشهد مثير للأسف: أمسية تضم شاعرين معروفين، إلى جانبهما مقدمة برامج تحاول أن تكون شاعرة، وأخرى تُقدَّم بوصفها “فارسة الأمسية الرابعة”! هكذا تتغير الموازين، وتتحول الأمسية إلى عرضٍ اجتماعي، تُدار فيه الكاميرات أكثر مما تُدار الحروف.
هذه الصورة الساخرة التي رسمها النص تعبّر عن حالة التشتت في المشهد الثقافي حين يُقدّم “الوجه” على “الفكر”، ويُفضَّل الحضور على المضمون، ويُغيب الشعر في زحام التصفيق والتصوير.
المسؤولية.. بين المنظّمين والجمهور
واحدة من أكثر النقاط قوة في “هزل أمسيات” هي طرح السؤال: من المسؤول عن هذا الاختيار؟
سؤال بسيط لكنه عميق. فالكاتب لم يكتفِ بوصف الخلل، بل وجّه أصابع الاتهام إلى من يديرون هذه الفعاليات ويقرّرون من يصعد المنبر ومن يُقصى عنه.
حين تُسوَّق الأمسيات باستخدام “الشاعرات الجميلات” أو “النجوم الإعلاميين”، بدلاً من الكلمة الصادقة والمضمون الأصيل، فإن النتيجة الحتمية هي فقدان الاحترام للشعر نفسه. ولذلك سمّى الكاتب هذا المشهد “هزل أمسيات”، لأن الهزل لم يعد في التفاصيل الصغيرة، بل في جوهر الفكرة.
مقارنة واعية بين الأمس واليوم
يركز النص أيضًا على البُعد الأخلاقي والاجتماعي، حين يثني على مَن طالبن بالفصل بين الأمسيات النسائية والرجالية في بعض المهرجانات الخليجية، حفاظًا على الحياء والمبادئ. هنا يُعيد الكاتب التذكير بقيمة الحشمة والعفاف في سياق ثقافي وديني يحترم الخصوصية، مؤكدًا أنّ المملكة العربية السعودية كانت وما زالت مثالًا يُحتذى في هذا الجانب.
هذه المقارنة ليست مجرد رأي أخلاقي، بل قراءة لواقعٍ بدأ يتغيّر بفعل موجة الانفتاح غير المنضبط آنذاك، حيث صار كل من يجيد “الظهور” يُمنح لقب شاعر، وكل من يجيد جذب الأنظار يُمنح منبرًا للحديث باسم الأدب.
“هزل أمسيات”.. عنوان يحمل نبوءة
ما يجعل “هزل أمسيات” نصًا خالداً هو أنه لم يصف لحظة عابرة، بل تنبأ بما سيأتي لاحقًا.
فاليوم، بعد مرور عقدين من الزمن، يمكننا أن نرى كيف تحققت ملاحظاته بدقة:
أصبحت بعض الأمسيات تُدار بمنطق التسويق التجاري، لا بمنطق الثقافة.
وغابت الرصانة، وحلّ محلها الظهور الإعلامي و”المحتوى السريع”، حتى في الأدب والشعر.
الكاتب إذن لم يكن ناقدًا متحاملًا، بل قارئًا مبكرًا لمستقبل الثقافة حين تنفصل عن قيمها.
بين الهزل والجدّ.. بقي الشعر شامخًا
على الرغم من النقد اللاذع في “هزل أمسيات”، إلا أن روح النص تحمل حبًا عميقًا للشعر، وإيمانًا بأن الجوهر لا يضيع مهما تعالت الضوضاء. الشاعر الحقيقي لا يحتاج إلى مقدمة برامج لتجمّله، ولا إلى أضواء مسرح لتثبت حضوره، فحضوره في كلمته، وسحره في نصه.
هكذا يتضح أن الرسالة الأهم في “هزل أمسيات” ليست الهجوم على الأفراد، بل الدفاع عن قيمة الشعر نفسه. دفاع عن الفطرة، عن النقاء، عن الفن حين يُقدَّم بوصفه رسالة لا وسيلة.
خاتمة: العودة إلى الأصل
في نهاية النص، يختم الكاتب بكلماتٍ تنضح فخرًا وكرامة، في إهداءٍ إلى “الوشاة”، يذكّرهم بأن الزمن لا يرحم من ينحرف عن الصواب. يتركنا “هزل أمسيات” أمام سؤالٍ مفتوح:
هل يمكن أن تعود الأمسيات الشعرية كما كانت؟
ربما نعم، إن عاد الاهتمام بالشاعر لا بالمظهر، وبالقصيدة لا بالتصفيق.
يبقى “هزل أمسيات” علامة فارقة في الذاكرة الأدبية الخليجية، لأنه جمع بين النقد الفني والغيرة على الكلمة، فكان شاهدًا على زمنٍ تبدّل فيه مفهوم الإبداع، وصرخة في وجه كل من حاول أن يُطفئ نور الشعر بطلاءٍ زائف من “النجومية”.
إن كنت من عشّاق الشعر الشعبي والهوية، فاقرأ “الموروث الشعبي“، “عودوا لموروثكم يا كدش“، و”قنواتنا الشعبية وبناطيل طيحني“. نصوص تعيدنا إلى الجذور وتنتقد البذخ الحديث.
