make up! – مكياج الشعراء ودهشة المظهر المصطنع
في نص make up! المنشور في الثاني عشر من يناير عام 2004، يفتح الكاتب نافذة ناقدة وساخرة على واحدة من أغرب الظواهر التي بدأت تتسلل إلى الوسط الأدبي والإعلامي، وهي ظاهرة تجميل الرجال أو ما يُعرف اليوم بلغة الموضة بـ”المكياج الرجالي”. لكنّ المفارقة الكبرى في هذا النص ليست في استخدام أدوات التجميل نفسها، بل في الفكرة التي يحملها المشهد: شعراء ومثقفون قرروا أن يظهروا أمام العدسات بعد “جلسة make up!” كاملة، كأن الجمال الاصطناعي أصبح جزءًا من أدوات الشهرة لا من ملامح الشخصية.
الكاتب يبدأ بعفوية وسخرية ذكية، حين يروي دهشته من زميله الحميدي الحربي الذي كان يكرر دائمًا عبارة «شعراء المكياج والمتمكيجون». كان يظنها مزحة مبالغًا فيها، حتى فوجئ أن المزاح تحول إلى واقع! فبعض الشعراء – كما يصفهم – لم يكتفوا بالشدو والإلقاء، بل استعانوا بخبراء تجميل وعدسات ومكياج أساس و”آي لاينر” و”قلوز”، ليظهروا على الشاشة بملامح ملساء أكثر من اللازم، وبحواجب منمّصة تشبه نجوم السينما أكثر مما تشبه شعراء الفطرة والبداهة.
دهشة الكاتب من ظاهرة make up! بين الشعر والمرآة
يأخذنا النص في رحلته بين الحقيقة والمظهر، بين الشاعر الذي يعرفه الكاتب في الحياة اليومية، وبين ذاك الذي يراه في اللقاء الصحفي بعد لمسات make up!. المفارقة هنا ليست مجرد تجميل بسيط، بل انقلاب كامل في الملامح؛ فالرجل الذي كان يبدو بسيطًا، جادًا، خشن الملامح، صار فجأة ناعمًا، متصنعًا، وكأن الشعر لم يعد كافيًا للتعبير، بل صار يحتاج إلى طلاءٍ خارجي يعيد تعريف صورته أمام الناس.
يقول الكاتب إن ما رآه صدمه كما يصدم القارئ تمامًا، إذ لم يتوقع أن يصل الهوس بالمظهر إلى هذه الدرجة في الأوساط الأدبية. ولتعميق المفارقة، استعان بخبيرة تجميل حقيقية لتقيّم “عمل” الشعراء بالمكياج، فجاءت المفاجأة حين قالت إن شغلهم «تمام جدًا» وإنهم قادرون على وضع مكياج لحليمة بولند أو إليسا أو هيفاء وهبي! وهنا تتجلى روح السخرية الذكية في نص make up!، التي لا تهاجم الأشخاص بقدر ما تكشف عبث المظهر عندما يتغلب على الجوهر.
بين الرجولة والنعومة المصطنعة
في منتصف نص make up!، يتحول السرد الساخر إلى موقف فكري وأخلاقي عميق. فالكاتب لا ينتقد الزينة في ذاتها، بل ينتقد ضياع الحدود بين الرجولة والنعومة، بين الوقار الطبيعي والمظهر المصطنع. الرجل – كما يراه الكاتب – جميل بخشونته وثقله واتزانه، لا بنعومته ومكياجه وحقائبه. الرجولة هنا ليست مسألة مظهر، بل موقف وسلوك. ولذلك تأتي عبارته الحادة: «هداهما الله وأعادهما لرجولتهما»، كتعبير عن رغبة صادقة في أن تبقى الهوية الذكورية بعيدة عن عبث العدسات ومساحيق الشهرة.
هذه الفكرة، على بساطتها، كانت في زمن كتابة النص سابقة لوقتها؛ فقد تنبأ الكاتب بتحول اجتماعي كان في بداياته، حين بدأت بعض مظاهر الموضة تتسلل إلى الرجال في الإعلام، فصارت الكاميرا تحكمهم أكثر من القيم أو الفكر. وربما أراد أن يقول: إن الشعر لا يُجمَّل بالبودرة، ولا يحتاج الشاعر إلى “make up!” كي يُسمع صوته.
السخرية كمرآة ثقافية
يتميز أسلوب make up! بأنه يجمع بين الطرافة والجدّية في آنٍ واحد. فالسخرية هنا ليست استخفافًا بالموضوع، بل وسيلة لنقد ظاهرة اجتماعية متنامية. اللغة العامية التي استخدمها الكاتب في بعض المواضع تزيد النص قربًا من القارئ، وتجعله أكثر واقعية. كما أن استخدامه لأسماء أدوات التجميل بالإنجليزية (مثل make up! وeye liner وgloss) يضفي نكهة معاصرة، ويعكس وعيًا لغويًا يوظف المفارقة بين “الحداثة الزائفة” و”الأصالة المفقودة”.
الكاتب أيضًا يوظف مشهد الخبيرة التجميلية ببراعة، ليجعل القارئ يضحك وفي الوقت نفسه يتأمل: كيف وصلت المجتمعات إلى هذا الحد من الاهتمام بالسطح؟ وكيف صارت “الرجولة” تخضع لاختبار الجمال الصناعي بدل اختبار المواقف؟ كل ذلك يُقدَّم بلغة محببة، ساخرة، ومليئة بالإيقاع السردي السلس.
خاتمة النص: بين الحقيقة والزيف
في ختام make up!، يختار الكاتب بيتًا للأمير الراحل محمد السديري، يختصر كل ما أراد قوله في نصه الطويل، حين يقول:
قالوا مخنفس قلت عقله يقدّيه
كلٍ يعرف الستر هو والفضايح
بيت الشعر هذا ليس مجرد زخرفة لغوية، بل ختام بليغ يُعيد الأمور إلى نصابها. فالعقل هو ما “يقدي” صاحبه، والستر هو القيمة التي تزن الإنسان، لا المساحيق ولا العدسات ولا الزخارف.
بهذا البيت يغلق الكاتب دائرة نصه، ليؤكد أن الجمال الحقيقي لا يُرسم على الوجه، بل يُصاغ في الموقف والخلق والفكر. وأن المكياج – مهما أجاد صاحبه – لا يستطيع أن يغطي خواء الداخل أو ضعف المعنى.
رسالة make up! إلى القارئ اليوم
بعد مرور أكثر من عقدين على كتابة النص، ما زالت رسالته صالحة لعصرنا الحالي. ففي زمن المؤثرين والفلاتر والمظاهر المبالغ فيها، يذكّرنا make up! بأن الصورة لا تصنع القيمة، وأن البهرجة ليست دليلًا على الوعي أو الموهبة. النص بذلك يتجاوز إطار السخرية إلى نقد اجتماعي وثقافي عميق، يجعل القارئ يعيد التفكير في معنى الصدق والهوية والجمال الطبيعي.
إن make up! ليس مجرد مقال ساخر، بل وثيقة فكرية عن زمن يتبدل فيه المظهر قبل أن يتبدل المضمون، وزمنٍ يُقاس فيه الحضور بالعدسات لا بالعقول. وهو تذكير جميل بأن البساطة لا تُهزم، وأن الجمال الحقيقي لا يحتاج “make up!” كي يُرى.
وللإبداع حضور لا يغيب، كما في “المبدعون“, “تميّز مدارات“, و “الشعر أكاديميًا” . بين الفكر والخيال تتكوّن التجربة وتخلّد النصوص.
