شعرنا أجنبي

/

/

شعرنا أجنبي

شعرنا أجنبي

شعرنا أجنبي.. أزمة هوية في المشهد الشعبي

في يوم الجمعة 20 فبراير عام 2004، كتب الشاعر زبن بن عمير نصًا أثار الجدل بعنوان “شعرنا أجنبي”، وهو نص ناقد بعمق يفتح ملف الهوية في الشعر الشعبي السعودي. لم يكن النص مجرد رأي عابر في مشهد أدبي مزدحم، بل صرخة واعية ضد التحول الثقافي الذي أصاب بعض الشعراء حين اتجهوا إلى كتابة القصيدة بلهجات غير بيئتهم، وكأن الإبداع صار مرهونًا بما هو دخيل لا بما هو أصيل. في زمن كانت فيه القصيدة الشعبية تمثل وجدان الناس وصوتهم الصادق، جاء هذا النص ليعيد السؤال القديم الجديد: هل فقد شعرنا الشعبي ملامحه؟ وهل صار شعرنا أجنبي عن لغته ومجتمعه؟


الشعر الشعبي بين اللهجة والهوية

يبدأ زبن بن عمير نصه بتأمل بسيط لكنه جوهري في معنى المصطلح نفسه: الشعر الشعبي. ويشرح أن كلمة “الشعبي” لا تُفهم إلا بأنها الشعر الذي ينبع من الناس بلغتهم ولهجتهم الخاصة، فهي مرآة الوجدان الجمعي للمجتمع. فإذا كان الشعر الشعبي في نجد يعبّر عن روح الصحراء، فلا يمكن أن يكون الشعر الشعبي في مصر أو الشام أو موريتانيا بلسان نجدي. بهذه القاعدة الواضحة، يضع الكاتب أساسًا مهمًا لفهم خطورة ما يحدث اليوم من انزياح لغوي في القصيدة. فحين تبدأ اللهجات تتداخل وتختلط لأجل التجميل أو التسويق، يتحول الشعر من فعل انتماء إلى حالة اغتراب، ويصبح حقًا شعرنا أجنبي عن بيئته.


عقدة النجومية في الساحة الشعرية

يطرح الكاتب فكرة شجاعة حين يربط ظاهرة تبدل اللهجات بما يسميه “عقدة النجومية”. فبعض الشعراء – كما يقول – يحملون في داخلهم شغفًا بالشهرة يجعلهم يسعون إلى كسر حدود بيئتهم على حساب هويتهم. يظنون أن الشهرة تأتي من اللهجة المختلفة، أو من تقليد الآخرين، أو حتى من استعارة عبارات مستهلكة من ثقافات مجاورة. إنها عقدة المظهر لا الجوهر، عقدة البحث عن الضوء ولو على حساب الأصالة.
وهنا يكمن عمق السؤال الذي يطرحه النص: هل يمكن أن يبدع الشاعر وهو يكتب بلسانٍ لا يشبهه؟ وهل يصبح الشعر الشعبي أداة للتسويق بدل أن يكون مرآة للناس؟ من هذه الزاوية، يبدو عنوان النص واقعيًا ومؤلمًا في آنٍ واحد: شعرنا أجنبي ليس فقط باللفظ، بل بالروح والمعنى.


الاغتراب اللغوي في الشعر الشعبي

في سياق النقد، يتحدث زبن بن عمير عن ظاهرة سماها البعض “الاغتراب اللغوي”، حيث بدأت القصيدة الشعبية السعودية تتزيّن بلهجات غيرها. والنتيجة أن المتلقي فقد شيئًا من الدفء الذي كان يميّز القصيدة المحلية. كانت القصيدة في الماضي تحمل رائحة البادية وصوت الرمل ولهجة أهل نجد، أما اليوم فصارت – في بعض تجاربها – نسخة متكررة من لهجات أخرى لا تنتمي إلينا. هذا التحول جعل كثيرًا من القرّاء يشعرون بأن شعرنا أجنبي حتى ونحن نقرأه في صحفنا وعلى منصاتنا.


نقد اجتماعي في ثوب أدبي

النص لا يقف عند حدود النقد الأدبي، بل يمتد إلى نقد اجتماعي وثقافي عميق. فحين يقول الكاتب إن بعض الشعراء اشتروا القصائد من الخارج “بحالٍ رخيص من عوام الدول العربية الأخرى”، فهو لا يهاجم الأشخاص بقدر ما يفضح ظاهرة التهاون في القيمة. لقد تحوّل الشعر من تعبير صادق إلى سلعة، ومن إبداع إلى صفقة. وهذه ليست أزمة شاعرٍ بعينه، بل أزمة مجتمع يتساهل في معاييره ويمنح الضوء لمن يرفع الصوت لا لمن يرفع القيمة. ومن هنا يحق له أن يكرر بحسرة: شعرنا أجنبي لأننا سمحنا له أن يكون كذلك.


الأصالة لا تُستورد

يذكّرنا النص بأن الأصالة لا يمكن أن تُستورد، وأن الهوية لا تُستعار من الآخرين مهما كانت براقتهم. الشاعر الذي يكتب بلهجة بيئته يحمل ذاكرة أجداده وصوت أرضه، أما من يكتب بلسانٍ دخيل فيفقد الصلة بين القصيدة وجذورها. الإبداع الحقيقي ليس في تبديل اللهجة، بل في تطويرها لتواكب العصر مع الحفاظ على روحها. لذلك فإن دعوة زبن بن عمير ليست رفضًا للتجديد، بل دعوة للتوازن بين الانفتاح والهوية. فالتجديد لا يعني أن يصبح شعرنا أجنبي، بل أن يصبح أكثر وعيًا بجذوره وأكثر صدقًا في تعبيره.


رسالة النص: صوت العودة إلى الذات

في العمق، يدعو النص إلى العودة إلى الذات قبل العودة إلى القصيدة. فالشاعر الذي لا يعرف من أين جاء لا يستطيع أن يكتب ما يعبّر عن بيئته بصدق. الهوية في الشعر الشعبي ليست مجرد لهجة، بل تاريخ وموقف وشعور جمعي. كل قصيدة تُكتب بلسان غريب هي خطوة نحو الفقد، وكل بيتٍ يعود إلى لهجته هو انتصار للأصالة. لهذا يبدو عنوان النص “شعرنا أجنبي” أشبه بجرس إنذار يحذر من فقدان الرابط بين القصيدة وجمهورها.


حكمة الختام

يختتم زبن بن عمير نصه ببيتٍ للشريف جبارة يقول فيه:
“لا صار ما تمشي برايٍ يدلك
ازدد من اشوار الرجال بشور”

بيتٌ بسيط المعنى لكنه عميق الدلالة؛ ففي زمن التيه الثقافي، لا بد للشاعر أن يستشير من سبقه، وأن يعود إلى “أشوار الرجال” الذين حملوا القصيدة بصدق وإخلاص. فالشعر ليس تجربة فردية فحسب، بل مسؤولية جماعية نحو اللغة والتراث. وإن لم نعد نعرف طريقنا في بحر اللهجات، فربما علينا أن نعود إلى بوصلة نجد لنستعيد صوتنا الأول قبل أن يصبح نهائيًا شعرنا أجنبي.

وعن التراث الذي لا يغيب، تتواصل الحكاية في “الجنادرية والتراث“، “مزاين الظفرة بين التقدم والموروث“, و”للتراث بقية“. كلها تسجل حضور الموروث في الوجدان السعودي.

شعرنا أجنبي

مقالات ذات صلة

أخو لجعه.. قلق ومجد 1-3

راكان شاعر الفرسان وفارس البيان ابن حثلين قلق.. ومجد 2-3

ابن حثلين قلق ومجد الحلقة الثالثة والاخيرة

السامر ختام .. هلا فبراير

السامر بين نجران والرياض

يا سيدي ياسيد كل السيادات