ورحل رضيمان

/

/

ورحل رضيمان

ورحل رضيمان

ورحل رضيمان: سيرة رجل عاش بسيطًا ورحل عظيمًا

رحيل رضيمان بن حسين الشمري، الرجل البدوي الأصيل والتاجر البسيط الذي جمع الناس بوفائه وكرمه. مقال يوثق سيرته كراوية صادق وشاعر نادر حافظ على التراث، ويخلّد ذكراه كرمز للنزاهة والبساطة والوفاء.

في يوم الجمعة الموافق 31 أغسطس 2012، عمّ الحزن القلوب ورقّت الأرواح وهي تودّع رجلًا نادر الحضور، صادق الود، عميق الأثر. كان رحيل رضيمان بن حسين الشمري علامة فارقة في الذاكرة، ليس فقط لأنه كان تاجرًا معروفًا ورجلًا اجتماعيًا محبوبًا، بل لأنه كان إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، يحمل في قلبه صفاء البادية، وفي حديثه صدق الرجال الأوائل، وفي مسيرته تاريخًا يختزل قيم الوفاء والبساطة والنزاهة.

رضيمان الإنسان الذي جمع القلوب

لم يكن مجرد اسم يمرّ في المجالس، بل كان حضورًا يألفه الجميع، ورجلًا أحبّ الناس فأحبوه. كان يجمع المختلفين على طاولة واحدة، ويقرّب بين المتباعدين بابتسامته وكرم أخلاقه. عرفه الكبير والصغير بتواضعه الجمّ، وبأسلوبه السلس الذي يكسو المواقف هيبة ودفئًا في آنٍ واحد.
كان الناس يجتمعون حوله لأنه كان صادقًا في مشاعره، قريبًا من الجميع، لا يتكلّف في القول ولا يتصنع في الفعل، عاش محبوبًا بين قومه، ورحل محبوبًا من كل من عرفه.

أصالة البداوة وروح التاجر

وُلد رضيمان بن حسين الشمري في بيئة بدوية أصيلة، حمل منها صفات الكرم والصدق والشجاعة، ونشأ على قيم الرجولة والإخلاص. وحين دخل عالم التجارة، لم تغيره مظاهر الثراء ولا الأضواء الزائفة، بل ظلّ ذلك الرجل الذي لا يُغريه البريق بقدر ما يجذبه الوفاء والاحترام.
كان يُعرف عنه نزاهته في البيع والشراء، وحرصه على أن يكون رزقه حلالًا نقيًّا، وكان يقول دائمًا لمن حوله: “البركة في الصدق، والرزق ما هو بكثرة المال، الرزق طيب النفس ورضا الله.”

المرض الذي زاده صبرًا وثباتًا

صارع رضيمان المرض لسنوات طويلة، ولكن رغم قسوة الألم، لم يُسمع منه شكوى ولا جزع. ظلّ مبتسمًا، يواجه أيامه بصبر المؤمن ورضا الواثق بحكمة الله. حتى حين اشتد عليه المرض في أيامه الأخيرة، كان حديثه مطمئنًا، وكأنما يودّع الدنيا بسلام ورضا.
لقد كانت تلك المعركة الصامتة مع المرض درسًا في الثبات، تجسّد فيها صبر الرجال الذين لا يعرفون إلا الصمت الجميل والرضا بالقضاء، فخرج منها رضيمان منتصرًا في كل الأحوال، لأن انتصاره كان في الإيمان قبل أن يكون في الجسد.

الراوية والشاعر والذاكرة الحية

لم يكن رضيمان مجرد رجل أعمال، بل كان ذاكرة تسير على الأرض. عُرف بكونه أحد الرواة القلائل الصادقين في نقل تاريخ البادية وشعرها وأحداثها. كان يروي القصص كما سمعها، دون زيادة أو تزييف، ملتزمًا بالأمانة في الكلمة والرواية.
وكان شاعرًا فطريًا، ينظم الشعر النبطي بعذوبة البدوي الذي عاش اللغة لا كمفردات، بل كوجدان. قصائده نادرة مثل شخصه، ومجلسه كان مدرسة في السرد والتاريخ والتراث الشعبي.
يقول عنه أحد محبيه: “كان رضيمان إذا تحدث، صمت الجميع. كأنك تستمع للتاريخ من فم من عاشه، لا من نقل عنه.”

صادق القول.. عفيف النفس

امتاز رضيمان بصفة نادرة في هذا الزمن: كان لا يخشى أن يقول “لا أعرف”. هذه الجملة البسيطة التي يتهرب منها كثيرون كانت عنده دليل صدق وأمانة علمية. لم يكن يسعى لبهرجة الكلام أو تزويق المعرفة، بل كان يقدم الحقيقة كما هي.
ومن صفاته أيضًا العفة والنزاهة، فلم تُعرف عنه شبهة في مال ولا خصومة في عرض. عاش مستقيمًا، كريمًا، يوزّع الخير في صمت ويغيث المحتاجين دون أن يُعلن عن ذلك.

رجل البساطة والكرم

رغم مكانته ونجاحه التجاري، لم يتخلّ رضيمان عن بساطته الأولى. كان يجلس في المجالس العامة دون تكلف، يرحب بالجميع، يشاركهم الحديث والضحك كما لو كان واحدًا منهم تمامًا. وكان يردّد دائمًا أن قيمة الإنسان ليست في ماله ولا في نسبه، بل في فعله الطيب وذكره الجميل بين الناس.
ومن يعرفه يدرك أن كرمه لم يكن في المال وحده، بل في وقته واهتمامه وطيب كلماته، فقد كان مجلسه ملاذًا للمحتاج، وموئلًا لمن يبحث عن النصيحة أو التوجيه.

رحيل يوجع القلوب

حين جاء خبر وفاته، لم يكن الأمر عابرًا. بكاه أصدقاؤه وأحباؤه بحرقة، لأنهم لم يفقدوا رجلًا عاديًا، بل فقدوا جزءًا من ذاكرتهم. لم يكن من السهل على من عرف رضيمان أن يتقبّل غيابه، لأن حضوره كان دفئًا يُشبه البيوت القديمة التي لا يُستبدل عبقها.
ومع ذلك، خفّف عن الجميع علمهم بأنه كان رجلًا صالحًا، مواظبًا على الطاعات، لا تفوته صلاة ولا يغيب عن عمل الخير. كان مرضه الطويل كأنه تمهيدٌ للقاءٍ طيب مع ربه، فالله يبتلي من يحب ليطهّره ويرفعه.

رضيمان… رجل حفظ الأمانة وأدّى الرسالة

رحم الله رضيمان بن حسين الشمري، ذلك الرجل الذي صان التاريخ والرواية، وحافظ على تراث الرجال كما هو دون زيادة ولا نقصان. عاش عفيفًا، ومات مكرمًا، وبقي ذكره عطرًا في الذاكرة. ترك لنا إرثًا من الصدق والوفاء والبساطة، وإرثًا آخر من الشعر والحكايات التي ستبقى تروى جيلاً بعد جيل.

رحمك الله يا من حملت تاريخ الرجال فصنت الأمانة، وأديت الرسالة، وحفظت الرواية.
رحلت جسدًا وبقيت روحًا في الذاكرة والوجدان، وستظلّ يا رضيمان شاهدًا على زمنٍ كان فيه الرجال رجالًا، والصدق عنوانًا، والعطاء سلوكًا لا شعارًا.


من أرشيف النصوص الأدبية والإنسانية، يمكن تصفح شاعرات ولكن؟! و “منديل عميد الأدب الشعبي”  و “ما أسهله!”  و “وطني”  و “لنا رب كريم” ، حيث يلتقي الشعر بالوفاء والاعتزاز بالهوية.

ورحل رضيمان

مقالات ذات صلة

مدارات التقت حامد زيد وهو على السرير الأبيض

السامر على قناة الواحة في حلقة خاصة

الشعر الشعبي بلاط جامعة الملك سعود

ماجد الشلهوب:طرح مساهة الياسمينة شمال الرياض السبت المقبل

في ليلة جمعت الشعر بالصحافة راديو وتلفزيون العرب يحتفي بالسامر

يا زبن لا تكتب بصفحة مدارات