متعب السديري: باحث التراث وصوت الرواية الأصيلة
في يوم الخميس الموافق الرابع والعشرين من يونيو عام 2004، حمل النص عنوانًا لافتًا هو “متعب السديري”، ليكون بمثابة مساحة وفاء وتقدير لرجلٍ جعل من البحث في التراث مهمةً ورسالةً في آنٍ واحد. لم يكن متعب السديري مجرد اسم عابر في عالم الدراسات الشعبية، بل كان باحثًا مخلصًا أعاد إلى الذاكرة أهمية التوثيق الدقيق للروايات الشفوية التي شكّلت جزءًا من الوعي الثقافي والاجتماعي في المملكة العربية السعودية.
هذا النص يسلّط الضوء على شخصية متعب السديري، لا بوصفه باحثًا فحسب، بل كرمزٍ للانتماء للهوية الوطنية، وشاهدٍ على التحولات في الوعي التراثي الذي يدعو إلى دراسة الاختلافات بين الروايات لا بوصفها تناقضات، بل كزوايا متعددة تعكس ثراء الموروث الشعبي.
منذ بدايات اهتمامه، عُرف متعب السديري بدقته في التعامل مع المصادر والمراجع، وبحرصه على ألا يمرّ حدث أو حكاية دون أن يُدوّنها من أكثر من راوٍ، في محاولة منه للوصول إلى أقرب صيغة للحقيقة. وقد تميز أسلوبه بالجمع بين الحس الميداني والانضباط العلمي، وهو ما جعل منه أحد أبرز الأسماء التي ساهمت في إثراء السرد الشعبي السعودي.
ويُلاحظ أن الكاتب في هذا النص لم يتناول متعب السديري بوصفه صديقًا شخصيًا فحسب، بل كمؤرخٍ شعبيٍّ يضع النقاط على الحروف في مسألةٍ حساسة هي قصة الأمير عبدالله بن رشيد، تلك القصة التي أثارت كثيرًا من الجدل في الأوساط التراثية، وتعددت بشأنها الروايات والقراءات.
لقد أراد متعب السديري — كما يظهر من خلال النص — أن تكون الحقيقة هي الغاية الأولى لأي باحث في الموروث، مهما تعددت وجهات النظر أو تباينت تفاصيل السرد. فحين أبدى عتبه على الكاتب بسبب ذكر اسمه في سياق القصة، لم يكن اعتراضه نابعًا من تحفظٍ شخصي، بل من رغبةٍ أكاديمية في أن يُفهم موقفه كما هو: باحثٌ يجمع الروايات ويقارنها، لا راوٍ يتبناها.
ويكشف ذلك عن جانبٍ من شخصيته العلمية؛ فهو رجل لا يبحث عن الأضواء، بل عن الدقة، ولا يسعى إلى المجد الأدبي بقدر ما يسعى إلى نزاهة التوثيق. وهذا ما جعل اسمه، متعب السديري، مرادفًا للجدية والانضباط في جمع الموروث الشعبي في السعودية.
إن العلاقة التي جمعت الكاتب بمتعب السديري كانت أعمق من كونها معرفة سطحية أو تعاونًا صحفيًا، بل كانت علاقة تقدير واحترام متبادل بين جيلين من المهتمين بالشأن التراثي.
فمن جهةٍ، يرى الكاتب في متعب السديري نموذجًا للباحث المثابر الذي لا يكتفي بما يُقال في المجالس، بل يتتبع الخيوط حتى يصل إلى أصل الحكاية. ومن جهةٍ أخرى، نجد متعب السديري نفسه حريصًا على ألا تُشاع الروايات بغير تمحيص، لأن في اختلافها خطورة على الموروث الجمعي إن تُرك دون تحقيق أو تدقيق.
ويبرز في النص أيضًا جانب إنساني نبيل في شخصية متعب السديري، يتمثل في تواضعه وخلقه الرفيع. فهو لا يتعامل مع الاختلاف بوصفه خلافًا، بل كمساحة للحوار والتصحيح. لذلك، حين غضب من ذكر اسمه، لم يكن الغضب موقفًا عدائيًا، بل تنبيهًا موضوعيًا إلى ضرورة احترام دقة البحث، وهو ما جعل الكاتب نفسه يعبّر عن امتنانه وشكره له، مؤكدًا أن الاختلاف لا يفسد المودة، بل يثريها.
هذا الموقف وحده يكشف عن سمو أخلاق الرجل وعن فهمه العميق لمعنى الشراكة الفكرية في خدمة التراث.
أما النقطة التي أثارها متعب السديري حول اختلاف الروايات وتأثيرها السلبي على التراث، فهي تُعد من القضايا الجوهرية في علم التوثيق الشعبي. فالتاريخ الشفهي في السعودية، كغيره من الثقافات، يعتمد على النقل من جيل إلى جيل، وقد تتبدل التفاصيل أو تتحول الأحداث بفعل الزمن أو الذاكرة أو الرؤية الشخصية للراوي.
من هنا جاء طرح متعب السديري بضرورة دراسة هذا الاختلاف بدل تجاهله، لأن الوعي بالاختلاف هو أول طريق للحفاظ على الحقيقة. إنها رؤية علمية متقدمة، تُظهر مدى وعيه بأهمية منهجية البحث في التراث، بعيدًا عن الانفعال أو المجاملة أو التعصب للرواية الأقرب.
ولعل من أجمل ما يميز النص أن الكاتب لم يكتفِ بسرد القصة، بل استغلها ليُبرز قيمة البحث الميداني في الحفاظ على الهوية الثقافية، من خلال نموذج متعب السديري الذي جسّد هذا التوازن بين حب التراث والالتزام بالمنهج العلمي.
كما لم ينسَ الكاتب أن يُبرز الجانب العائلي والإنساني في العلاقة بينه وبين السديري، مستذكرًا العلاقة القديمة التي جمعت أسرتيهما، وهو ما يعكس احترام الأجيال المتعاقبة لبعضها، وتقديرها لكل من يسهم في حفظ تاريخ الوطن.
وفي ختام النص، يظهر التقدير الكبير الذي يكنّه الكاتب لـ متعب السديري، إذ يعبّر عن امتنانه لملاحظاته وتنبيهاته التي أسهمت في توجيه النظر إلى قضية مهمة هي أثر تعدد الروايات في تشكيل التراث. كما يُشير إلى أنه لا يمانع في نشر الاختلاف، بل يراه إثراءً للحوار، داعيًا إلى مواصلة البحث العلمي في كل ما يُروى من قصص وحكايات تاريخية، خصوصًا تلك التي تتعلق بالشخصيات البارزة مثل الأمير عبدالله بن رشيد.
إن الحديث عن متعب السديري ليس مجرد استعادة لاسمٍ ساهم في مجال التراث، بل هو تذكير بقيمة الباحث الجاد الذي لا يتنازل عن الدقة، ولا يخشى من الاختلاف. هو صوتٌ من أصوات الأصالة، وباحثٌ أعاد إلى الذاكرة أن التراث ليس ماضيًا جامدًا، بل حكاية حيّة تحتاج دائمًا إلى من يصونها، يدقّقها، ويمنحها الحياة من جديد.
وبذلك، يظل متعب السديري شاهدًا على مرحلة من الوعي الثقافي في السعودية، حيث بدأ الاهتمام الجاد بالتراث الشعبي يتخذ طابعًا علميًا مؤسسيًا، وتحوّل العمل الفردي إلى جهد بحثي متكامل، يسعى لتوثيق الروايات والموروثات قبل أن يبتلعها النسيان.
لقد كان متعب السديري جزءًا من هذا التحول، ورمزًا للإخلاص في سبيل الحقيقة، وهو ما يجعل من اسمه عنوانًا للثقة والوفاء، وواحدًا من الذين يستحقون أن تُكتب عنهم الصفحات تقديرًا وعرفانًا.
الذاكرة تعيدنا إلى تفاصيلٍ صنعتنا، إلى وجوهٍ رحلت وظلت حاضرة في الحرف. ومن النصوص التي تستحضر هذا البعد غبنا ولم تغيبوا التي تعكس وفاء الكاتب لقرّائه، ومن مذكرات صديق راحل التي تجمع بين الود والحنين، وزمان الصمت التي تبوح بشجن الزمن الجميل.
