مشتري شعر لله! : حين يعود الشعر من المنح إلى القيمة
في نص “مشتري شعر لله”، يتأمل الكاتب تحوّل الشعر من رسالةٍ نقية إلى سلعةٍ تُقاس بالمكافآت، فيرسم صورة ناقدة لواقعٍ أدبي فقد صدقه وسط زيف المظاهر. قراءة تُعيد الاعتبار للشعر الحقيقي ولمن يكتبون بصدقٍ لله لا للمصلحة.
في يوم الجمعة الموافق الثالث والعشرين من أبريل عام 2010، كُتب النص الشهير “مشتري شعر لله” ليكون مرآة صادقة لمرحلةٍ شهد فيها الشعر العربي تحوّلًا جذريًا بين زمنٍ كان فيه الإبداع يُكتب بدافع الصدق والإلهام، وزمنٍ آخر صار فيه الشعر سلعةً تُقاس بالأرقام وتُعرض على موائد المزايدات. ففي الماضي، كان الشاعر يكتب لله، للوطن، وللشعور الإنساني العميق، بينما أصبح اليوم كثير من الشعراء يكتبون للحضور الإعلامي، للنجومية، وللثمن الأعلى الذي يقدّمه الجمهور أو الجهة الراعية. هنا، تبرز المفارقة الكبرى التي أراد الكاتب أن يفضحها بسخريته الذكية في عبارة واحدة موجعة: “مشتري شعر لله”.
زمن الشعر الذهبي وعودة البريق المفقود
يشير النص إلى أن زمن الشعر الذهبي قد عاد في الآونة الأخيرة، حين بدأت الأمسيات الشعرية تستعيد حضورها وتعود لتملأ القاعات بالأضواء والتصفيق، وأصبح الشاعر يُكرَّم ويُحتفى به، بل ويحصل على مكافآت مالية ضخمة تعيد إلى الشعر مكانته الاجتماعية المرموقة. ومع ذلك، فإن الكاتب لا يتناول هذا الازدهار بفرح مطلق، بل بنبرةٍ متأملة تميل إلى الشك، وكأنه يسأل في العمق: هل عودة الشعر إلى الواجهة هي عودةٌ حقيقية إلى القيمة، أم أنها مجرد مظهرٍ براق يخفي تحته فراغ المضمون؟
من خلال عنوان النص “مشتري شعر لله”، تتجلى السخرية اللاذعة من أولئك الذين باعوا الشعر في زمنٍ مضى بثمنٍ بخس، كما يقول الكاتب، بأرضٍ في “عريض” أو “نمار”، وكأن الشعر صار عقارًا أو صفقة تجارية. إن المفارقة التي يرسمها النص هنا تتجاوز البعد الاقتصادي، فهي تعكس تحوّل الشعر من رسالةٍ إلى سلعة، ومن وجدانٍ إلى ورقة تفاوض، ومن صوتٍ للروح إلى صوتٍ للربح.
الشعر بين الإخلاص والتجارة
في هذه المفارقة بين شاعرٍ يكتب لله وآخرٍ يبيع شعره، يفتح النص بابًا واسعًا للتساؤل حول معنى الإبداع في زمن الماديات. من هو “مشتري شعر لله” اليوم؟ أهو الذي يكتب نصوصه بصدقٍ دون انتظار مقابل، أم هو ذاك الذي يشتري الشهرة بماله ليبدو شاعرًا أمام الناس؟ إن السؤال يحمل وجهين من المفارقة: الأول أدبي يتعلق بالقيمة، والثاني اجتماعي يعكس واقعًا تغيرت فيه المفاهيم حتى صار الشعر أداة ترويج لا تعبير.
الكاتب هنا لا يهاجم الشعراء بقدر ما يضعهم أمام مرآة الحقيقة، فيدعوهم لأن يتذكروا أن الشعر وُجد ليعبّر عن الإنسان، لا ليُباع كسلعة. وفي تكراره الدقيق لعبارة “مشتري شعر لله”، نلمس تلك الحسرة المبطّنة بالسخرية من ماضٍ كان أجمل، ومن حاضرٍ فقد شيئًا من روحه.
المعنى الرمزي لعبارة “مشتري شعر لله”
حين نقرأ العبارة في سياقها الأدبي، نجد أنها لا تُشير إلى شخصٍ بعينه، بل إلى حالةٍ ثقافية شاملة. فـ “مشتري شعر لله” في المعنى الرمزي هو الإنسان الذي يُقدّر الكلمة ويمنحها قيمتها النبيلة، في مقابل أولئك الذين اختزلوا الشعر في الجوائز والمنافع. والكاتب يوظّف هذه الجملة لتكون أشبه بصرخة ضميرٍ تعيد طرح السؤال حول دور الشعر الحقيقي: أهو للتكريم والمنصات، أم للحياة والناس؟
وفي ظل هذا الطرح، يتضح أن النص ليس مجرد تذمرٍ من واقعٍ أدبي، بل رؤية نقدية تنبّه إلى أن الشعر إذا فقد صدقه فقد روحه، وإذا صار يُشترى ويُباع فقد قيمته. ومن هنا، تأتي عبارة “مشتري شعر لله” كتحذيرٍ من أن يتحوّل الإبداع إلى تجارة، والموهبة إلى صفقة.
السخرية بوصفها أداة نقد أدبي
النبرة الساخرة التي يكتب بها الكاتب ليست عفوية، بل هي أسلوب فني واعٍ يُخفي خلفه نقدًا ثقافيًا عميقًا. حين يقول: “ربما بيعت بأرض في عريض أو نمار من مشترٍ يجيد تطبيق المنح”، فهو لا يروي حكاية طريفة، بل يصف واقعًا مؤلمًا بطريقةٍ تهكميةٍ تُظهر المفارقة بين قدسية الكلمة وهشاشة من يتاجر بها.
بهذا المعنى، تتحوّل عبارة “مشتري شعر لله” من مجرد عنوانٍ إلى رمزٍ لحقبةٍ شعريةٍ اختلط فيها الإبداع بالمصلحة، وتبدّلت فيها المعايير بين شاعرٍ صادق وشاعرٍ يبحث عن الأضواء. إنها جملة تختصر تحوّلات المشهد الأدبي، وتستفز القارئ ليعيد التفكير في معنى الشعر ذاته.
الشعر الحقيقي لا يُشترى
في ختام التأمل، يذكّر النص بأن الشعر لا يمكن أن يُشترى أو يُباع؛ فهو إحساسٌ فطري، ونداء داخلي لا يخضع لقانون السوق. من يكتب الشعر لله، يكتبه بروحٍ صافية، لا ينتظر مقابلًا ولا تصفيقًا. ومن يبيعه بثمنٍ أو شهرة، يفرّط في جوهره الإبداعي مهما علا صوته في المنابر.
وهكذا يترك الكاتب القارئ أمام تساؤلٍ مفتوح: هل ما زال في زماننا من يمكن أن يُقال عنه بحق “مشتري شعر لله”؟ أم أن الشعر صار ملكًا للعروض الدعائية والمهرجانات، بينما تراجع صدقه في زوايا الصمت؟
تأمل في نص “ومن الشوق نديم” لتقارن بين العاطفة في الشعر القديم والحديث.
