المجاملة: بين اللياقة الاجتماعية واغتيال الصدق
في يوم الجمعة الموافق السادس عشر من أبريل عام 2010، كُتب هذا النص بعنوان “المجاملة”، ليُعيد إلى الأذهان معنى قديمًا بدأ يتلاشى في زحمة الحياة الحديثة. فالمجاملة، التي كانت في الأصل سلوكًا مهذبًا يُقصد به تلطيف العلاقات وتجميل الحوارات، تحوّلت في عصرنا إلى وسيلة للتملق، وسلاح يُستخدم للهرب من قول الحقيقة. بين الماضي النقي والحاضر الملتوي، يقف الإنسان متسائلًا: هل المجاملة ضرورة اجتماعية أم خيانة للصدق؟
المجاملة في ميزان الصدق والرياء
يقول النص الأصلي: (الرأي قبل شجاعة الشجعان)، وهي عبارة تختصر كل المفارقة بين ما كان عليه الناس وما أصبحوا عليه اليوم. فقد كان أجدادنا لا يعرفون للمجاملة طريقًا حين يتعلق الأمر بالحق. كانوا يواجهون، يناقشون، ويختلفون بوضوح، ثم تبقى المودة بين القلوب لا تشوبها شائبة. أما الآن، فقد غلبت المجاملة على الصراحة، وأصبح الناس يخشون إبداء آرائهم خوفًا من فقدان العلاقات أو التعرض للعتاب.
تلك الظاهرة التي كانت في الماضي تُعدّ من سمات الذوق الاجتماعي أصبحت اليوم سببًا لانهيار الثقة. فحين يعتاد الإنسان أن يقول ما لا يقصده، أو يمدح ما لا يستحق المديح، يفقد نفسه قبل أن يفقد مصداقيته. والمشكلة الأكبر أن المجاملة لم تعد تقتصر على المجالس الخاصة، بل تسللت إلى الإعلام والوسط الثقافي وحتى إلى الشعر نفسه.
زمن الماديات واغتراب القيم
لقد تغيّر الزمن، كما يصف الكاتب في نصه، حتى باتت الصراحة تُعتبر تهورًا، والصدق يُرى كوقاحة. ومع انتشار المصالح والمجاملات المادية، أصبح الناس يتحدثون بلغة النفاق الاجتماعي المبطّن. الكلمة اللطيفة لم تعد لوجه الله، بل أصبحت استثمارًا في العلاقات، تُقال لتحصيل منفعة أو لتجنب خسارة.
إنّ المجاملة في هذا السياق ليست خلقًا حميدًا، بل غطاء يخفي التناقض بين ما نؤمن به وما نقوله. وما نلاحظه اليوم من “تلوّن” في الآراء والمواقف ليس سوى انعكاس لزمنٍ فقد فيه الناس شجاعتهم على قول الحقيقة. لم يعد الرأي يُقال لوجه الصواب، بل لوجه القبول الاجتماعي.
المجاملة في ساحة الشعر والنقد
من أكثر النقاط دقة التي تناولها النص الأصلي هي تسرّب المجاملة إلى عالم الشعر. فقد كان النقد في السابق ميدانًا للفكر، ساحة يتنافس فيها الشعراء على الصدق الفني، ويتقبّلون النقد بوعي وتقدير. أما اليوم، فالكثير من النقاد باتوا يخشون قول الحقيقة، خشية أن يخسروا ودّ شاعر أو دعم جهة إعلامية.
وأصبح المشهد الثقافي – كما وصفه الكاتب – مليئًا بالمجاملات الأدبية التي تُفرغ الشعر من صدقه وجماله. فقصائد كثيرة تُمدح لا لأنها جميلة، بل لأن قائلها مشهور، وأخرى تُهمل رغم جمالها لأن أصحابها لا يملكون شبكة من العلاقات. وهكذا، تفقد الكلمة معناها، ويتحوّل الشعر من صوت صادق إلى صدى للمجاملات المتبادلة.
بين الأدب والنزاهة الفكرية
في الحقيقة، ليست المجاملة في الشعر مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي أزمة فكرية. فحين يتحوّل النقد إلى مجاملة، يفقد الأدب وظيفته التنويرية، ويصبح الإبداع مجرد ديكور لفظي يخدم مصالح محددة. فالكلمة التي كانت تصنع الوعي وتعبّر عن الموقف أصبحت أسيرة الترضية والمحاباة.
هذا الانحدار لا يصيب الشعر فحسب، بل يصيب القيم الثقافية كلها، إذ لا يمكن بناء مجتمع متطور دون رأي صادق ونقد موضوعي. لذلك، فإن مقاومة المجاملة في الوسط الأدبي هي في حقيقتها دفاع عن الصدق الإنساني، قبل أن تكون دفاعًا عن الشعر نفسه.
الصراحة التي نفتقدها
كم نحن بحاجة اليوم إلى استعادة الصراحة التي كانت جزءًا من هوية المجتمع. الصراحة التي لا تُجرح ولكنها تُبصّر، التي لا تُهين ولكنها تُوجّه. فليس الهدف من محاربة المجاملة أن يتحول الناس إلى قساة أو متسلطين في آرائهم، بل أن يقولوا الحقيقة بتهذيب، وأن يعيدوا للرأي هيبته ومكانته.
إن المجتمع الذي يربّي أبناءه على الصراحة، يربّيهم في الحقيقة على المسؤولية. أما المجتمع الذي يغذي أبناءه على المجاملة، فهو يُنتج أجيالًا تفتقد إلى الثقة والوضوح، وتخشى قول ما تؤمن به. وهنا تكمن خطورة الأمر، حين يتحول الصمت والمجاملات إلى ثقافة عامة تُغلف كل شيء بالزيف.
كلمة الختام
يختم الكاتب نصه الأصلي باقتباس خالد من شعر المتنبي:
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها
صديق صدوق صادق الوعد منصفا.
تلك العبارة تختصر الموقف كله. فالصداقة بلا صدق ليست صداقة، والمجتمع بلا صراحة يفقد توازنه. إن المجاملة إن تجاوزت حدودها، تصبح مرضًا يقتل الروح، ويجعلنا نعيش في عالمٍ من الأقنعة الجميلة، التي تخفي وراءها فراغًا مؤلمًا من الحقيقة.
ولعل هذا النص، برغم مرور الأعوام عليه، لا يزال صالحًا لكل زمان، لأنه يضع يده على جرحٍ إنساني عميق: حاجتنا إلى الصدق في زمنٍ امتلأ بالمجاملات. للمزيد
