هددوني!!

/

/

هددوني!!

هددوني!!

هددوني: ظاهرة التهديد في عالم الكلمة وتأثيرها على المشهد الثقافي

في نصٍ بعنوان “هددوني” يتناول الكاتب ظاهرة تهديد الأقلام والفنانين والشعراء، ويحاول قراءة الدوافع الاجتماعية والنفسية والسياسية وراء انتشار عبارة «هددوني» كزخم إعلامي وثقافي، ويرصد أثرها في ساحة الأدب والحرية والإبداع.

في يوم الثلاثاء الموافق 30 مارس 2010 كُتب هذا النص تحت عنوان هددوني ليفتح جرحًا ويمسك بخيطٍ من خيوط الواقع الذي يعيشه كثيرون: تهديدٌ بالقتل أو بالتصفية، رسائلٌ معلّقة بالثأر أو الانتقام، ونبرة رعبٍ تحاول أن تُخفي وراءها مطامع الشهرة أو ضجيجًا إعلاميًّا. كلمة واحدة — هددوني — تختزل حالة تتكرر في زوايا متعددة من المجتمع: من الصحافة إلى السياسة، ومن المنابر الدينية إلى ساحات الشعر، حيث تتحول التهديدات إلى نهجٍ أو إكسسوارٍ ترفع به بعض الأصوات درجة تأثيرها أو تحصّنها من مساءلة الرأي.

موضة التهديد

في الماضي، كان من يواجه تهديدًا حقيقيًا يعيش خلف الأبواب المغلقة، محاطًا بالخوف والصمت. اليوم، صار البعض يعلنها بصوتٍ مرتفع على الشاشات وفي الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وكأنها وسام شجاعة أو علامة بطولة.
يكتب أحدهم مقالة، أو يلقي قصيدة، ثم يخرج ليقول للناس: «هددوني!». فيصدق البعض، ويشكّ البعض الآخر، بينما تظل الحقيقة معلّقة بين الخوف والرغبة في لفت الأنظار.

لقد تحولت هذه الكلمة إلى وسيلة يستخدمها البعض لتسويق الذات، خاصةً في ساحة الشعر التي لا تخلو من المنافسة والغيرة. فهناك من يبحث عن الشهرة بأي وسيلة، حتى لو كانت تلك الوسيلة هي التظاهر بالخطر.

بين الخوف الحقيقي والتمثيل

قد يكون هناك من فعلاً يتعرض لتهديد حقيقي، وهذا أمر لا يُستهان به. فالكلمة الحرة قد تثير حفيظة البعض، والشجاعة في الرأي قد تُكلف صاحبها الكثير. لكن المشكلة أن تداخل الصدق مع الادّعاء جعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والمسرحية.
من هنا تأتي خطورة انتشار عبارة هددوني دون مسؤولية، لأنها تُفقد المصداقية لمن يعاني فعلًا من الخطر، وتحوّل المأساة إلى أداة ترفيه أو دعاية.

المجتمع والغيرة والضجيج

قد تكون الغيرة سببًا رئيسيًا في هذه الظاهرة. فالمجتمع الذي يكثر فيه التنافس غير النزيه لا يحتمل نجاح أحد، وكل تميّزٍ يصبح محل شكّ أو اتهام.
فمن برز في مجاله قالوا عنه مغرور، ومن أغنى نفسه بات حراميًا، ومن عبّر عن رأيه أصبح مهددًا أو مثيرًا للفتن.
في مثل هذا المناخ، لا غرابة أن تصبح كلمة هددوني مدخلًا للتبرير والضجيج، ومحاولة للهروب من النقد أو مواجهة الحقيقة.

أزمة المصداقية في زمن الضوضاء

لقد تراجعت قيمة الصدق أمام كثرة الأصوات، وصارت الساحة الإعلامية مسرحًا كبيرًا يختلط فيه الجاد بالهزلي. لم يعد الناس يفرّقون بين من يقول الحقيقة ومن يمثلها.
وهذا ما يجعلنا نعيد التفكير: هل ما نسمعه اليوم من تهديدات في الوسط الأدبي والإعلامي هو خطر حقيقي، أم جزء من صناعة الصورة؟
المجتمعات الواعية وحدها هي التي تستطيع أن تميّز بين الاثنين، لأنها تدرك أن من يصرخ «هددوني» لا يكون دائمًا الضحية، بل أحيانًا يكون هو من يصنع المسرحية.

الحاجة إلى وعي ومسؤولية

الأمر لا يتعلق بحرية التعبير فقط، بل بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الكلمة. عندما تتحوّل كلمة «هددوني» إلى موضة، فإنها تسلب من الحقيقيين حقهم في الحماية والتصديق.
علينا أن نتعامل مع هذه الادّعاءات بعقلٍ ناضج لا بعاطفة، وأن نُعيد للمجتمع ثقافة التحقق قبل التصديق، لأن التسرع في نشر الخوف قد يخلق موجة من الفوضى لا يستفيد منها أحد.

الكلمة مسؤولية

إن الكلمة التي تُكتب أو تُقال تحمل أثرًا، وقد تثير جدلًا أو تصنع وعيًا، لكن لا يجب أن تتحول إلى وسيلة للخداع أو الاستعراض. فالكلمة الحقيقية لا تحتاج إلى «تهديد» لتُسمع، بل يكفيها أن تكون صادقة.
من يتعرض لخطر حقيقي يجب أن يجد منبرًا يحميه، ومن يستخدم الكلمة عبثًا يجب أن يُواجه بوعي الجمهور الذي لم يعد يصدق كل ما يسمع.

يبقى عنوان هددوني شاهدًا على مرحلة مرت بها الساحة الثقافية، فيها تداخل الخوف مع الادّعاء، والجدّ مع المزاح، والحقيقة مع التصنّع. ومع ذلك، فإن الكلمة الصادقة ستظل باقية، لا يخيفها تهديد، ولا تشتريها الشهرة، لأنها تُكتب لتبقى، لا لتُصفّي حسابات.


النهاية:

ترى بعض السوالف فوق راعيها فضيحة
يحسب أنه مسويها وهو لاون صغاها
يسويها بعض ناس يبي منها مديحة
ياليته رد خنجرها تعود في خباها


للمزيد من التأمل في النصوص الإنسانية والفكرية، يمكنك قراءة نصوص مشابهة مثل:
العمر يمضي و”إلى جنة الخلد فريح“التي تتناول رحلة الإنسان بين التجربة والموقف والصدق في التعبير، أو زيارة موقع الكاتب للاطلاع على نصوص أخرى تُضيء العلاقة بين الكلمة والواقع والمجتمع. 

هددوني!!

مقالات ذات صلة

مدارات التقت حامد زيد وهو على السرير الأبيض

السامر على قناة الواحة في حلقة خاصة

الشعر الشعبي بلاط جامعة الملك سعود

ماجد الشلهوب:طرح مساهة الياسمينة شمال الرياض السبت المقبل

في ليلة جمعت الشعر بالصحافة راديو وتلفزيون العرب يحتفي بالسامر

يا زبن لا تكتب بصفحة مدارات