فريح.. الحاضر رغم الغياب
في يوم الجمعة الموافق 5 فبراير 2010، كتب هذا النص من قلبٍ يفيض بالرجاء والدعاء، لا من قلمٍ فحسب. لم يكن الحديث عن فريح حديث عابر عن صديقٍ مرّ في طريق العمر، بل عن إنسانٍ سكن الذاكرة بصفائه، وترك في الوجدان أثرًا لا يُمحى. كان فريح كما عرفه الجميع: وجهًا مشرقًا رغم الألم، وروحًا تقاوم المرض بابتسامةٍ لا تنطفئ.
في زمنٍ يزدحم بالوجوه العابرة، يظل فريح أحد أولئك النادرين الذين يملكون القدرة على بثّ الفرح حتى وهم أحوج الناس إليه. كان إذا دخل المجلس غمره دفء من الحضور والبهجة، وإذا تحدّث، أضفى على الحديث روحًا خفيفة لا تشبه إلا طيبته. من غيره يستطيع أن يدخل على الناس بهجة الدنيا وهو فاقدها؟ من غيره يجمع بين الطيبة والشجاعة، وبين خفة الروح وعمق الإيمان؟ إنه فريح، الإنسان الذي يشبه اسمه في عطائه وابتسامته.
فريح.. الإنسان الذي كان للفرح عنوانًا
لم يكن فريح مجرد صديق، بل حالة من الصفاء النادر. كان يبيع ما يملك، أو يقترض على قروضه، فقط ليقدّم لك يد العون إذا ضاقت بك الدنيا. لم يعرف طريق الحقد، ولم يترك للعداوة أثرًا في قلبه، لأن المحبة عنده كانت فطرة، والكرم عادة لا تكلفه شيئًا سوى أن يكون هو نفسه.
هو فريح الذي جمع الأخبار بدقّة الصحافيين، لكن دون تجريح أو شماتة، فكان إذا تحدث عن الناس، تحدث بخير، وإذا نقل حديثًا، نقله بأدب وضمير. ما كان يعرف الخبث، ولا يحمل في صدره سوى الخير، كأنه مخلوق من طينة الوفاء.
أصدقاؤه يعرفون كم أضناه المرض، وكم قاوم بشجاعةٍ وإيمان. كان يقول دومًا: “ما يكتبه الله خير”، وكأنه يعلّمنا أن الصبر ليس فقط احتمالًا للألم، بل نوع من الرضا العميق الذي يضيء القلب في أحلك الظروف.
رسالة إلى فريح
يا صديقي فريح، عرفتك قويًّا بالله، منفتحًا على الحياة رغم قسوتها، مؤمنًا بأن ما عند الله لا يضيع. قاوم، فالله يحب المؤمن القوي. عهدتك مؤمنًا، صبورًا، شامخًا، فلا تخذلنا ولو لمرةٍ واحدة. نحن ننتظر عودتك، لا لأننا نخشى الفقد، بل لأن الحياة دونك ناقصة الألوان، باهتة الملامح.
إلى ابنتك ريتال بنت فريح، نقول: أنتِ له المصباح، وهو لكِ النبراس. سيعود والدك بإذن الله، لأن القلوب التي تدعو له لا تُرد، ولأن الله كريم بعباده الطيبين. ستشرق بسمته من جديد في بيتكم، كما اعتاد أن يضيء مجالسنا بالفرح.
فريح في الذاكرة
كل من عرف فريح يعرف أن حضوره لا يشبه أحدًا. لم يكن يبحث عن مجدٍ زائل أو مديحٍ عابر، بل عن رضا الله وراحة من حوله. كان بسيطًا في مظهره، كبيرًا في جوهره، لا يرفع صوته، ولا يردّ الإساءة بالإساءة. وإذا أخطأ أحد بحقه، ابتسم وقال: “خله.. الله يسامحه.”
مثل هذه الأرواح نادرة، تمرّ بنا فتترك أثرًا أطول من الأعمار. ومثل هذا الرجل، إن غاب، بقي حاضرًا في الدعاء، وفي كل ذكرى طيبة.
لقد كان مدرسة في الإنسانية، دروسه لم تُكتب في كتاب، بل تُروى في المجالس.
المرض لا يهزم القلوب الكبيرة
حين مرض فريح، لم يضعف، بل ازداد إيمانًا. كان يرى في كل ألم رسالة، وفي كل تعب اختبارًا. لم يكن يشكو كثيرًا، لكنه حين يتعب، يكتفي بقول “ادعوا لي.” ومنذ تلك اللحظة، لم تتوقف الدعوات له في كل مكان.
قلوب كثيرة أحبته دون مصلحة، وألسنة كثيرة رددت اسمه في السجود.
اللهم اشفِ فريح، وأزل البأس عنه، اللهم أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا.
حين يكون الصدق أعظم دواء
في زمنٍ امتلأ بالوجوه المتبدلة والمشاعر الزائفة، كان فريح استثناءً حقيقيًا. لم يتبدل رغم كل شيء. بقي وفيًّا لأصدقائه، مخلصًا لأسرته، قريبًا من الناس ببساطته. كان الجميع يجدون عنده ملاذًا من ضجيج الحياة، وكأن وجوده وحده علاج.
لم يكن في حياته مكان للتمثيل، لأن الصدق عنده لم يكن خيارًا، بل جزءًا من فطرته. لذلك أحبّه الجميع، لذلك بكى الجميع حين مرض، ولأن الله يحب عباده الصادقين، فإننا على يقين بأنه سيعود أقوى مما كان.
فريح.. المعنى الجميل للحياة
أن تكتب عن فريح، يعني أن تكتب عن الفرح رغم الألم، عن القوة رغم الضعف، عن الإيمان رغم القسوة. كان مثالًا للرجل الذي جمع بين الطيبة والكرامة، وبين التواضع والإقدام.
حين نتحدث عنه اليوم، لا نرثيه، بل نستعيد صورته في قلوبنا، كما لو أنه ما زال بيننا يبتسم ويقول: “كل شي بيد الله، لا تزعل.”
لقد علمنا أن الصداقة ليست كلمة، بل عهد. وأن الوفاء لا يُكتب، بل يُمارس.
ولذلك، حين نقول: “ننتظر عودتك يا فريح”، فنحن لا نردد عبارة، بل نرسل دعاءً من القلب إلى السماء.
ختام
في النهاية، يظل شاهدًا على أن الخير لا يضيع، وأن الإنسان الحقيقي يترك أثره مهما غاب جسده. سيبقى حاضرًا في قلوب أحبّته، في ابتسامة أصدقائه، وفي كل دعاءٍ يهمس باسمه.
اللهم اشفِ فريح، وامنحه من عافيتك ما يليق بصدق قلبه، وأعده إلينا كما عهدناه: ضاحكًا، كريمًا، مليئًا بالحياة.
النصوص المشابهة
لمزيد من القراءة عن النصوص الإنسانية التي تمس القلب وتستحضر الوفاء والصدق، يمكنك الاطلاع على النصوص التالية:
-
“ سلمان الوفاء”: تأمل في معنى الإخلاص في القيادة والحياة.
-
“تدلل”: نص يفيض بالامتنان لكل قارئ ومحب للكلمة.
-
“الشكاكون”: نقد اجتماعي لظاهرة الشك والريبة في الوسط الثقافي.

