كلنا نكتب الغزل.. لماذا؟ ، في يوم الجمعة الثامن والعشرين من فبراير عام 2003، جلس الكاتب يتأمل حال الشعر العربي، متسائلًا عن غلبة الغزل على الساحة الأدبية. كانت صفحات المطبوعات والصحف ممتلئة بالقصائد الغزلية، حتى بدا وكأن الشعر قد اختزل إلى هذا الغرض وحده، بينما اختفت المساجلات والمجالس الشعرية، والشعر الاجتماعي والنصيح. في هذا السياق، طرح الكاتب سؤالًا محوريًا: لماذا لا يتنوع الشعر العربي كما كان في الماضي، وأين ذهبت تلك الأغراض التي كانت يومًا نبض المجالس وساحة للتنافس الشريف بين الشعراء؟
يقول الكاتب:
“كلنا نطالع على صفحات المطبوعات كثيرًا من القصائد، ولكن تكاد تكون كلها غزلًا، والسؤال هو: لماذا لا تتنوع أغراض الشعر في ساحتنا؟ أين المساجلات والمجالسيات؟ أين الاجتماعيات والنصح؟ الحقيقة يجب أن نعيد النظر فيما نطرح.”
هنا يتضح أن الكاتب كان يعي أن الغزل، وإن كان بابًا جميلًا من أبواب الشعر، لا يكفي وحده لإبراز قدرة الشعر العربي على التعبير عن الفكر والقيم والمجتمع. فالشاعر الموهوب لا يكتفي بالغزل، بل يستخدم أدواته الشعرية لنقل الأفكار، وتحريك المشاعر، وبناء وجدان الأمة.
المساجلات الشعرية نموذجًا على تنوع الأغراض
واستعان الكاتب بمثال حي من التراث الشعري، مساجلة بين الشاعرين ناصر بن صقر بن لويف آل فهاد وحمد بن غربان، والتي تمت عام 1380، لتوضيح كيف كان الشعر في الماضي يتميز بالتنوع والذكاء. يقول حمد بن غربان:
يا ناصر بن لويف يا مرّ جرى للضيف
ترى ضيفكم من جاركم جاله مصيبه
ويا لوع قلبي لوعة الضو لعصفت ريف
على أم الغزال اللي تقبل وتقضي به
عسى لا يمي في حبهم ما راعاه الصيف
وجعله قطيع دايم ما دعى صيبه
ورد عليه ناصر بن صقر بن لويف:
أنا هافي إن الضيف يتبع طريق خليف
ولا هوب سلم الضيف يسرق مهازيبه
أنا هافي إنه يا حمد ما وطاكم صيف
ولوه وطاكم منكر كان بدري به
ترى دونها ربع تحط القوي ضعيف
علمي ما لهم عاصين والعلم ندري به
هذه المساجلة تُظهر كيف كان الشعر يشمل التنافس الشريف، والفكر، والخلق النبيل، وليس مجرد وصف للعاطفة. لقد كان الشعر وسيلة لنقل الحكمة والموعظة، وإظهار قوة العقل والبلاغة، وإعادة صياغة التجارب الإنسانية بأسلوب جذاب.
الغزل بين الماضي والحاضر
يشير الكاتب إلى أن الغزل في الماضي كان وسيلة للتعبير عن المشاعر بطريقة راقية، لكن اليوم أصبح الغزل المفرط يُهيمن على الساحة الأدبية، ما أدى إلى ضياع التنوع في الأغراض الشعرية. الغزل وحده، خاصة إذا خلا من الذوق والصدق، لا يترك أثرًا طويل الأمد في ذاكرة القراء، بينما الشعر الذي يدمج بين العاطفة والفكر والقيم يستمر ويخلّد.
لقد لاحظ الكاتب أن الساحة العربية اليوم تحتاج إلى استعادة هذا التوازن: الشعر الذي يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، ويخاطب قضايا المجتمع، ويزرع القيم النبيلة، إلى جانب الغزل الراقي الذي لا يخرج عن حدود الأدب والأخلاق. فالقصيدة الناجحة هي التي تلامس مشاعر الناس وفكرهم في آنٍ واحد، وتترك أثرًا يدوم في وجدانهم.
الدعوة لإحياء المساجلات والشعر الاجتماعي
من خلال هذا المقال، دعا الكاتب إلى إحياء المساجلات الشعرية والمجالس الأدبية، وتشجيع الشعراء على تنويع أغراضهم بين الغزل، والنصح، والوطنية، والاجتماعية. إن المساجلات ليست مجرد ألعاب لغوية، بل أدوات لإظهار الذكاء والقدرة على التعبير، ولتعليم الأجيال الجديدة أن الشعر ليس مجرد غزل، بل فن يعكس حضارة الأمة وثقافتها.
لقد أكد الكاتب أن الشعر العربي يمتلك القدرة على التجدد إذا التزم بالقيم والمبادئ، وإذا أعاد الشاعر النظر في أغراضه ومحتواه. فالغزل فن راقٍ حين يُستخدم في إطار الأدب الصادق، لكنه يصبح ابتذالًا حين يُفرغ من المعنى والرسالة، ويُختزل في الإثارة أو التباهي.
أهمية إعادة النظر في المحتوى الشعري
تتجلى أهمية إعادة النظر في محتوى الشعر في قدرة القصيدة على نقل رسالة اجتماعية أو تربوية، أو إلهام الناس وتوجيههم نحو القيم الإنسانية. فالشعر الذي لا يخرج عن حدود الغزل المحض، يفتقد القدرة على التأثير العميق في المجتمع، ويصبح مجرد ترف فكري لا قيمة له. لذلك، فإن التنويع في الأغراض الشعرية ليس خيارًا، بل ضرورة للحفاظ على أصالة الشعر العربي وإيصاله إلى أجيال قادمة بقوة وجاذبية.
خاتمة
إن ما كتبه الكاتب في يوم الجمعة الثامن والعشرين من فبراير 2003 لا يزال صائبًا حتى اليوم: الغزل وحده لا يكفي، والشعر الحقيقي هو الذي يجمع بين العاطفة والفكر والقيم. دعوة التوازن بين الغزل وأغراض الشعر الأخرى ليست مجرد نقد، بل هي وصية للأجيال القادمة من الشعراء للحفاظ على أصالة الشعر العربي وإيصاله بقوة وجاذبية.
الشاعر الذي ينجح في تنويع أغراضه بين الغزل، والنصيح، والاجتماعي، والوطنية، هو من يترك أثرًا في وجدان الأمة ويخاطب العقول والقلوب معًا. ومن هنا، يمكن القول إن الشعر، إذا أحسن استخدامه، يظل مرآة الأمة ووجدانها، ويخاطب الحاضر ويُعدّ للمستقبل.
حين تتقاطع الحروف مع الذاكرة، تنشأ الحكايات التي تبقى رغم تبدّل الأزمنة. فاقرأ «ارتحال!» لتشعر بمذاق الوداع، و «ودعتكم ربي» لتستشعر رهافة الروح، و «رحلتي» التي تحكي معنى البحث عن الذات، بينما يمنحك «كلنا راحلون» تأملًا صادقًا في حقيقة الحياة.
