فيصل بن خالد.. أبها ومجد الجنوب
في ذاكرة الجنوب، لا يمكن أن تُذكر أبها إلا ويُذكر معها اسم الأمير فيصل بن خالد، ذلك الأمير الذي جمع بين البساطة في الحضور والهيبة في القيادة، فصار رمزًا من رموز الأصالة السعودية، وصوتًا صادقًا يعكس روح الإنسان قبل سلطة المنصب. لم يكن حضوره في أبها حضورًا إداريًا فحسب، بل كان حضور القلب والعقل، حضور الإنسان الذي يحمل في ملامحه طيبة الجبل وسمو الروح وصدق الانتماء.
منذ أن تولى سموه مسؤولياته في المنطقة، حمل همّها كواحدٍ من أهلها، لا كمسؤولٍ يراقب من بعيد. أحبّ الجنوب وأبناءه، فبادلهم الحب بالحب، والعطاء بالعطاء، حتى غدت أبها في عهده أكثر إشراقًا، تفيض حيوية وبهاءً كما يفيض المطر على قمم السروات.
يصف الكاتب في نصه الأمير فيصل بن خالد بأنه باعث شعر القلطة وسيده، وكأنما أراد أن يلتقط من الشعر جوهر شخصيته، فيجمع بين القيادة والإلهام، بين الفعل والكلمة، بين الصمت المؤثر والقول الصادق. والحق أن هذا التشبيه لا يأتي من فراغ؛ فسموه عُرف عنه حبه العميق للشعر وأهله، وتقديره للمبدعين الذين يعبرون عن وجدان الوطن بالكلمة الصادقة والموقف النبيل.
ولأن الشعر في تراثنا السعودي ليس مجرد ترفٍ لغوي، بل هو وعاء للفكر والمروءة والعزة، فإن حضور فيصل بن خالد فيه حضورٌ طبيعي، يليق بأميرٍ جمع بين الدم الملكي والذوق الأدبي، بين سلالة الموحّدين وروح المثقفين.
لقد كان المقال تحية حب ووفاء، تبدأ من أبها ولا تنتهي عند حدودها، لأن الحديث عن فيصل بن خالد هو في حقيقته حديث عن القيم التي رسّختها المملكة في أبنائها: الإخلاص، والعمل، والكرم، والولاء الصادق. ومن أجمل ما أضاء النص تلك المقارنة الرشيقة التي عقدها الكاتب بين سمو الأمير خالد بن فيصل بن عبدالعزيز وسمو الأمير فيصل بن خالد بن عبدالعزيز، ليرينا كيف يجتمع المجد في بيتٍ واحد، وكيف تتشابه القمم في علوها وإن اختلفت في ترتيب الأسماء. فكلاهما أبناء الملوك وأحفاد المؤسس، وكلاهما عاشقان للشعر، عاشقان للوطن، جمعتهما رسالة واحدة: أن يظل الإنسان السعودي مكرمًا، رافع الرأس، مؤمنًا بأن العمل الصادق هو الطريق الأقصر إلى المجد.
في النص أيضًا تتجلى صورة الأمير المتواضع، الذي يرى في خدمته للناس واجبًا لا منّة، وفي تواصله مع أبناء منطقته تقليدًا نبيلًا من تقاليد القيادة السعودية التي تربّت على القرب من المواطن لا على التباعد عنه. وربما لهذا السبب أحبّه الناس، ورأوا فيه نموذجًا للقائد الذي يوازن بين هيبة المنصب ودفء الإنسانية.
يصفه الكاتب بأنه “بهي في كل أموره، في طيبته، وأناقته، وهدوئه”، وهي صفات تتردد كثيرًا على ألسنة كل من عرفه، إذ يراه الجميع صاحب حضور لا يحتاج إلى ضجيج، وكرمٍ لا يحتاج إلى إعلان، وعطاءٍ يأتي في صمتٍ يشبه المطر حين يهطل في أرضٍ عطشى.
وإذا كانت أبها قد ازدادت بهاءً في حضوره، فإن النص يُظهرها وكأنها امتداد لصفاته؛ فهي المدينة التي تحمل الوداعة والجمال، التي يجتمع فيها الجبل والسحاب والمطر، تمامًا كما اجتمعت في شخصه الصلابة والرقة والعطاء. فكان هو الأمير الذي يشبه مدينته، وهي المدينة التي تشبه أميرها.
إن تناول الكاتب لشخصية فيصل بن خالد لا يأتي من زاوية سياسية أو رسمية، بل من زاوية وجدانية خالصة، لأن الحديث عن الرموز الوطنية في مثل هذه النصوص يُبنى على الإحساس والانتماء قبل أي اعتبار آخر. ومن هنا، نجد النص يميل إلى الأسلوب الأدبي الشعري، حيث تختلط الحقيقة بالعاطفة، والعبارة بالرؤية، ليصنع لوحة وفاء تليق برجلٍ عُرف بالخلق الرفيع والسيرة الطيبة.
وفي ختام النص، تأتي التهنئة الموجهة إلى أبها بعبارةٍ تحمل من المعاني أكثر مما يبدو في ظاهرها:
“فهنيئاً لأبها كل هذا البهاء.”
فهي ليست تهنئة لمدينةٍ فحسب، بل إعلان بأن وجود فيصل بن خالد فيها كان مصدر بهاءٍ واعتزازٍ لكل من ينتمي إليها.
هو الأمير الذي لم تفصله الألقاب عن الناس، ولم ترفعه المناصب فوقهم، بل جعل من محبته لهم منهجًا، ومن تواضعه مدرسةً، ومن إخلاصه نموذجًا يروى للأجيال القادمة.
إن الحديث عن فيصل بن خالد هو حديث عن الوفاء، عن القيادة التي تعرف أن السلطة مسؤولية لا وجاهة، عن الإنسان الذي يرى في خدمة وطنه شرفًا وفي حب الناس وسامًا.
ولذلك سيبقى اسمه في ذاكرة الجنوب، محفورًا على صفحات الودّ والاحترام، تمامًا كما تبقى قمم السروات شامخة لا تنحني، وكما تبقى أبها أبهى ما تكون حين يُذكر فيها اسمه.
وفي الختام، يبقى الأمل خيطًا لا ينقطع، كما في “للأمل نبقى“, “مع الأمل نبقى..“, و”فرحة وطن“. فالوطن هو القصيدة الكبرى التي لا تنتهي.
