عندما لا تفهم البشر ، في السابع والعشرين من يناير عام 2003، كتب الكاتب هذا النص بصدقٍ واضحٍ وإحساسٍ عميقٍ، ليطرح من خلاله تساؤلًا مؤلمًا عن لحظات عندما لا تفهم البشر، حين يغيب المنطق ويحلّ الادّعاء مكان الموهبة، في زمنٍ امتلأت فيه الساحة الإعلامية بالشخصيات العابرة والأصوات التي تتقن الظهور أكثر مما تتقن الفهم.
لقد كانت تلك المرحلة مفصلية في تاريخ الإعلام الثقافي السعودي، إذ ظهر فيها كثيرون يتحدثون باسم الشعر دون أن يعرفوا أبجدياته، ويكتبون عن النقد دون أن يدركوا مسؤوليته، وكأن الكلمة أصبحت سلعة تُعرض لا رسالة تُؤدى.
الفهم الغائب في زمن الادّعاء
يتناول الكاتب في نصه فكرة جوهرية عن أولئك الذين يخوضون مجالات لا يملكون أدواتها، فيكتبون ويتحدثون دون معرفة أو إدراك. ويقول إن بعض المستصحفين انتقلوا بين أقسام الصحافة كلها، لا اقتدارًا ولا حبًا في التجربة، بل رغبةً في الظهور، ومع ذلك ظلّ الفشل حليفهم.
ويؤكد الكاتب أن الشعر — ذلك الفن الرفيع — أصبح ممرًا سهلاً لكل من أراد أن يُعرف، حتى وإن لم يميّز بين أوزانه أو بحوره. وهنا تكمن مأساة عندما لا تفهم البشر؛ حين يخلطون بين الشهرة والإبداع، وبين الضجيج والمعنى.
الشعر بين الأصالة والتقليد
في تلك الفترة، كان الشعر السعودي يعيش حالة من التحول، إذ دخلت عليه أصوات جديدة لم تحمل روح الشعر بقدر ما حملت رغبة الظهور في وسائل الإعلام. يقول الكاتب: إن من الغرابة أن نرى من لا يفرّق بين “الهلالي” و“الهجيني الشمالي” ثم يُنصّب نفسه شاعرًا ناقدًا.
إن هذه المفارقة ليست مجرد موقف أدبي، بل تعبير عن أزمة فكرية وثقافية؛ لأن الإبداع لا يمكن أن يولد في بيئة لا تفهم معنى الصدق الفني. ومتى ما أصبح الشعر مجرد وسيلة للتمجيد أو الشهرة، ضاع جوهره كما يضيع الفهم عندما لا تفهم البشر قيمة ما يكتبون.
الإعلام في مرآة الوعي
في فقرة فاصلة من النص، يقف الكاتب أمام نموذج إعلامي ناضج جسّدته المذيعة خديجة الوعل في برنامجها الشهير مع الأوتار نسهر، الذي استضافت فيه سليمان المانع.
يرى الكاتب أن خديجة قدّمت مثالًا للإعلام النزيه الذي يعطي القوس لباريها، حين حجبت الجوائز في حلقة من البرنامج لعدم وجود قصيدة تستحق الفوز. ذلك القرار أثار الجدل، لكنه عبّر عن مبدأ عميق مفاده أن الفن لا يُكافأ إلا حين يرقى إلى مستواه.
وهكذا يتجلّى المعنى الأوسع لـ عندما لا تفهم البشر — فالفهم لا يكون بكثرة الكلام أو الظهور، بل بالقدرة على التمييز بين الجيد والرديء، وبين الفن والتقليد.
موقف يستحق الاحترام
يقول الكاتب: “لقد أخذت خديجة بمبدأ المتنبي: ولا عليّ إذا لم تُفهم…” ليؤكد أن الجرأة في قول الحقيقة قد تُزعج البعض، لكنها تبقى عنوان الصدق. ومن هنا يتضح أن الفهم الحقيقي للإعلام ليس في إرضاء الجميع، بل في احترام الذائقة وتقدير العمل الإبداعي.
ذلك الموقف لا يخص الإعلام وحده، بل يمتد إلى كل من يواجه واقعًا مليئًا بالسطحية. فكم من شاعرٍ ومثقفٍ واجه اتهاماتٍ لأنه صادق؟ وكم من ناقدٍ حورب لأنه قال الحقيقة؟ إننا نعيش زمنًا تتكرر فيه المأساة عندما لا تفهم البشر منطق الصدق في العمل الثقافي.
ما بين الحضور والغياب
بعد أعوام من كتابة هذا النص، لا يزال صداه قائمًا في واقعنا اليوم. فما أكثر من يكتبون دون وعي، وما أقل من يفهمون المعنى. لقد أصبحت الساحة مزدحمة بالأسماء، لكن جوهر الكلمة بات نادرًا.
إن كلمات الكاتب هنا ليست مجرد رأي، بل تحذير من أن الفهم هو ما يمنح الكلمة قيمتها، وأن الصدق هو ما يخلّد الكاتب لا الأضواء الزائلة.
وحين نعيد قراءة النص بعد عقدين من الزمن، نكتشف أنه كان رؤية استباقية لحال الإعلام الحديث الذي امتلأ بالضوضاء والسطحية، وازداد فيه الشعور بالخذلان عندما لا تفهم البشر مغزى الرسالة.
الشعر.. وجعٌ لا يُقال
ويختتم الكاتب نصه ببيتٍ من الشعر ينضح بالوجع والصدق، وكأنه يعبّر عن ذات الشاعر التي أتعبها سوء الفهم:
رحلتي ما بقى للدمع في عين الحبيب أجفان
رحلتي ليه ما شلتي بقايا أجمل أشعاره
رحلتي لكن الذكرى واطلالك ودمع إنسان
تركتيها أجل وش ياخذ اللي يبعد أسفاره
رعاك الله يا أعذب من جرحني تحنان
رعاك الله يا للي معطيتني عمر وازهاره
بهذا الختام العاطفي يربط الكاتب بين الشعر والحياة، بين الغياب والوفاء، وكأنه يقول إن الإبداع يظل حيًّا حتى بعد أن يرحل أصحابه. وإن الخسارة الكبرى ليست في الفقد، بل في غياب الفهم عندما لا تفهم البشر ما تعنيه الكلمة.
الخاتمة
هذا النص ليس مجرد مقال، بل شهادة على زمنٍ كانت فيه الكلمة موقفًا لا مهنة، ووعيًا لا مظهرًا. إنه تذكير بأن الفهم هو جوهر كل فعلٍ إنساني، وأننا سنظل في دوامة من الادعاء عندما لا تفهم البشر أن الأدب رسالة وليست وسيلة.
هكذا تستمر الحكايات، تتبدل الوجوه وتبقى الرسائل. ففي «حوثي وما أدراك» نجد صلابة الموقف، وفي «ديرة الإسلام.. حاميها فهد» نقرأ ملحمة وطنية من الفخر، بينما يضيء « 23 عاماً من الخير» مشهد الإنجاز بواقعية واعتزاز، لتبقى «يا ملكنا نهنيك» رمزًا للولاء الممتد عبر الأجيال.
