زمن الغير شعر: حين يفقد الشعر بريقه بين الزيف والمجاملة
في يوم الأربعاء الموافق 24 مارس 2004، كتب الكاتب نصًا لاذعًا بعنوان “زمن الغير شعر”، تناول فيه بجرأة ووضوح حالة التراجع التي أصابت الذائقة الشعرية في الساحة الأدبية، حين أصبح الشعر مظهرًا اجتماعيًا لا مضمونًا فنيًا. النص ليس مجرد رأي عابر، بل وثيقة أدبية تعبّر عن لحظة وعي ناقدة أدركت أن ما يُسمّى شعرًا لم يعد شعرًا في كثير من الأحيان، بل صدى لعلاقاتٍ ومجاملاتٍ ونفاقٍ ثقافي، جعل الموهبة الحقيقية تغيب خلف الأضواء الزائفة.
من زمن الشعر إلى زمن الغير شعر
منذ السطر الأول، يوجّه الكاتب سهام نقده إلى مرحلة سماها “زمن الغير شعر”، أي الزمن الذي انقلبت فيه المفاهيم وتشوّهت المعايير. يقول: “لكل زمانٍ مقال.. وربما لكل زمان شعراء (هبال)!”، في إشارةٍ ساخرة إلى أولئك الذين اقتحموا الساحة بلا موهبة حقيقية، فملأوا الصحف والبرامج بأسماءٍ لا تملك من الشعر إلا وزنه الشكلي. في هذا الزمن الذي يسميه زمن الغير شعر، لم يعد الشعر رسالة الأمة ولا مرآة وجدانها، بل صار وسيلةً للظهور الإعلامي ولتحقيق الشعبية السريعة.
لقد تحوّل الشعر من فنٍ يعكس ضمير الأمة إلى أداة جذبٍ للجماهير والمراهقين، حتى بات بعض الشعراء يقيسون نجاحهم بعدد الإعجابات لا بعدد القراء المتأملين. وهنا تكمن مأساة زمن الغير شعر: أن الشعر فقد هويته، والشاعر فقد مسؤوليته، والنقد فقد جرأته.
الشعراء المزيفون وموضة الظهور
يركّز النص على ظاهرة مؤلمة تمثّل جوهر زمن الغير شعر، وهي بروز ما يسميهم الكاتب بـ”الشعراء المزيفين”، الذين اعتمدوا على العلاقات لا على الإبداع. يقول بوضوح: “الشعر وسيلة لاستقطاب أكبر مجموعة من المراهقات، والشعراء جلّهم مزيفون معتمدون على علاقاتهم ليصلوا الأغلفة.” هذه العبارة القاسية تختصر واقعًا ثقافيًا مقلقًا، حيث تحوّل الشعر إلى ساحة شهرة، والقصيدة إلى بطاقة دعوةٍ للظهور في صفحات المجلات وبرامج التلفزيون.
في زمن الغير شعر، صار الشاعر يبحث عن تصفيق الجمهور أكثر من بحثه عن معنى القصيدة. بل أصبح بعضهم يكتب ما يُرضي ذوق الجماهير السطحية، لا ما يعبّر عن روحه أو موقفه. هكذا اختلت المعايير بين الشاعر الحقيقي وصاحب الظهور السهل، وصار الضوء أهم من النص.
الإعلام الثقافي.. تواطؤ التلميع
يواصل الكاتب نقده الصريح حين يوجّه أصابع الاتهام إلى الإعلام الثقافي نفسه. يقول بمرارة: “أغلبنا نحن الصحفيين لا يفهمون الشعر بل همهم إظهار (صديقي) حتى إذا صاد يصيد لي معه!”، وهذه الجملة تختصر جانبًا آخر من زمن الغير شعر، وهو أن الإعلام لم يعد سلطة نقد، بل أصبح شريكًا في التزييف. فبدل أن تُعرض القصائد على نقاد حقيقيين، أصبحت تُعرض على أصدقاءٍ يبادلون الثناء بالثناء، حتى فقدت الساحة كل مصداقية.
لقد أدرك الكاتب أن أزمة الشعر ليست فقط في القصيدة، بل في من يقدّمها ومن يقيّمها. فحين تتحوّل الصحافة الأدبية إلى مساحة للمجاملة، ينهار الإبداع أمام التحالفات الشخصية. وهكذا تتكوّن دائرة مغلقة من المصالح، يُقصى منها كل من يملك رأيًا مختلفًا أو صراحة مؤلمة.
سئمنا المجاملات.. وحان وقت التغيير
تبلغ لهجة النص ذروتها حين يعلن الكاتب صراحة: “سئمنا الحال المايل.. وسئمنا المجاملات.” إنها ليست شكوى، بل بيان رفضٍ واضح لكل ما يمثّله زمن الغير شعر من انحدارٍ فني وفكري. في هذه الجملة تختصر روح المقال كلها: الرغبة في التغيير، واستعادة مكانة الشعر بوصفه صوتًا حرًّا لا تابعًا.
يدعو الكاتب إلى “إعادة ترتيب أوراق ساحة الشعر”، في إشارةٍ رمزية إلى الحاجة إلى مراجعة المعايير النقدية والذوقية. فالشعر لا يمكن أن يعيش في بيئة تخنق النقد وتكافئ النفاق. وحين يختم بقوله: “هل نقف هنا لنعيد ترتيب أوراق ساحة الشعر التي سيرميها التاريخ في سلة مهملاته؟”، فهو لا يتحدث بلغة الإحباط بل بلغة التحذير؛ تحذير من أن استمرار زمن الغير شعر يعني موت الشعر الحقيقي في ذاكرة الأمة.
شجاعة الكلمة في زمن الصمت
يمتاز الكاتب في هذا النص بشجاعة نادرة، إذ كتب ما يخشاه كثيرون قوله. فالصراحة في النقد الأدبي ليست ترفًا، بل واجبًا لحماية الإبداع من التكرار والزيف. لقد أدرك أن الدفاع عن الشعر يعني أحيانًا مواجهة الشعراء أنفسهم، وأن قول الحقيقة قد يغضب البعض، لكنه الطريق الوحيد لإصلاح الساحة.
من هنا، يصبح زمن الغير شعر عنوانًا مزدوجًا: يصف الواقع، ويدعو في الوقت ذاته إلى تجاوزه.
إن هذا النص يذكّرنا بأن الأدب لا يُصلح نفسه إلا بالنقد، وأن الصمت أمام الرداءة مشاركةٌ في تكريسها. الكاتب يكتب بلسان كل شاعرٍ حقيقي ضاق بما يراه من تسطيحٍ وتهافتٍ، وبروحٍ تحلم بعودة الشعر الذي يُكتب ليبقى، لا ليُصفّق له.
إرث نقدي ما زال حاضرًا
رغم مرور أكثر من عقدين على كتابة “زمن الغير شعر”، إلا أن أفكاره ما زالت صالحة اليوم. فما زالت الساحة الأدبية تعاني من ظاهرة الشهرة السريعة، وما زالت وسائل الإعلام تكرّس الصورة بدل المعنى. غير أن الفرق هو أن الأصوات الناقدة اليوم تجد في نصوصٍ كهذه مرجعًا صادقًا لقراءة تاريخ الشعر الشعبي السعودي الحديث.
فـ زمن الغير شعر ليس مجرّد مقالة، بل وثيقة ثقافية عن مرحلةٍ حرجةٍ من التحوّلات، تستحق أن تُقرأ بعين النقد والتأمل، لأنها تضع الأصبع على الجرح قبل أن يتّسع.
لمن يرغب بالغوص في أرشيف النصوص المتنوع، يمكنه تصفّح كل التصنيفات السابقة: من الغزل والعاطفة (الفاتنة، عذب الشعر)، إلى النقد الاجتماعي (خلاف واختلاف، المستفزون)، مرورًا بالتراث والهوية (للتراث بقية، مزايين الإبل ومطيري الحمام)، والأحداث الوطنية (عيدكم مبارك، 23 عامًا من الخير). هذه الروابط تتيح للقارئ تجربة متكاملة، وتساعد على زيادة مدة البقاء على الموقع، وتعزز قوة الربط الداخلي لتحسين السيو.
