رن يا جرس؟!

/

/

رن يا جرس؟!

رن يا جرس

رن يا جرس؟! – حين يدق الشعر ناقوس الوعي

في نص “رن يا جرس؟!” المنشور في التاسع من ديسمبر عام 2003، يطلق الكاتب صرخة وعي قوية في وجه الانحدار الثقافي الذي أصاب بعض الساحات الشعرية والإعلامية. لم يكن النص مجرد نقدٍ للشعراء أو لوسائل الإعلام، بل كان ناقوس خطر يدق ليقول: لقد اختلطت المفاهيم، وتغيّرت الموازين، وأصبح الشاعر المشهور لا يُقاس بثقافته أو فكره، بل بعدد المرات التي يظهر فيها على الشاشة.

“رن يا جرس؟!” ليست عبارة عابرة، بل استعارة ذكية تحمل في طيّاتها رمزية التنبيه والإيقاظ من غفلةٍ جماعية. إنها دعوة لإعادة الاعتبار للشعر بوصفه فنًا نبيلاً، لا وسيلة للظهور، وللثقافة باعتبارها قيمة لا تُزيَّن بالمكياج الإعلامي ولا تُباع في برامج المسابقات.


ثقافة مزيّفة وإعلام مضلّل

يبدأ الكاتب نصه بجملة تحمل حقيقة صارخة:

“ليس كل متعلم مثقفاً ولكن كل مثقف متعلّم.”

بهذه العبارة، يضع القارئ أمام مفارقة جوهرية بين المعرفة الشكلية والثقافة الحقيقية. فالتعليم وحده لا يصنع إنسانًا واعيًا، تمامًا كما لا يصنع الشعرُ شاعرًا إن لم يكن وراءه فكرٌ وإحساس ومسؤولية تجاه الكلمة.

في “رن يا جرس؟!” يوجّه الكاتب سهام نقده نحو الإعلام الذي ساهم – دون وعي – في صناعة نجومٍ من ورق. الإعلام الذي لم يكتفِ بتلميع بعض الأسماء، بل أفسد الذائقة الشعرية العامة حين صدّر لنا أشخاصًا يجهلون أبسط المعلومات الجغرافية والثقافية، ومع ذلك يُقدَّمون كرموزٍ للشعر الشعبي.


مشهدٌ من عبث الساحة الشعرية

المشهد الذي يرويه الكاتب في “رن يا جرس؟!” لا يُنسى:
مسابقة تلفزيونية تجمع ثلاثة شعراء وشاعرة، يُفترض أنهم يمثلون واجهة الأدب الشعبي، لكنهم يفشلون في الإجابة عن سؤال بسيط: “ما هو الميناء اليمني؟ عدن أم عمان؟”

تتحول اللحظة إلى عبثٍ فكاهي مؤلم، حين تجيب الشاعرة الواثقة بأن الميناء هو “عمان”، ويقف البقية صامتين وكأنهم أمام معادلة فيزيائية معقدة! المشهد كله يبدو كوميديًا، لكنه في الحقيقة مأساوي، لأنه يكشف عن جهلٍ متجذّر تزيّنه الأضواء، وتباركه القنوات الباحثة عن الإثارة بدل المضمون.


حين يصبح الشعر مهنة من لا مهنة له

يقول الكاتب في موضعٍ حادّ من نصه:

“ربما كثر الدخلاء على الشعر ولكن الأكيد بأن الشعر الشعبي وساحته أصبح مجالاً لكل فارغ، أو لكل غني أراد الشعر، أو لكل فاتنة تخلّت عن أخلاقياتها.”

هذه العبارة تختصر أزمة المشهد الشعري آنذاك.
فقد أصبح الشعر ساحةً مفتوحة لكل من أراد الشهرة السريعة أو المال أو الإعجاب، لا من أراد التعبير عن الوجدان الجمعي أو قيم المجتمع. فـ”رن يا جرس؟!” هنا ليست مجرد صرخة غضب، بل تشخيص دقيق لمرضٍ ثقافي يتفاقم حين تختلط الموهبة بالسطحية، وحين تُمنح المنابر لمن لا يملكون عمق الكلمة ولا مسؤوليتها.


سقوط المعايير وصعود الوجوه

يقدّم الكاتب في “رن يا جرس؟!” رؤية نقدية شجاعة لما يسميه “التسويق الإعلامي للشعراء”، وهو وصف دقيق لما حدث في مطلع الألفية الجديدة من تلفزة للشعر، حيث لم تعد القصيدة تُقاس بجمالها أو معناها، بل بعدد الإعجابات والمشاهدات.

هذا التحوّل، كما يصوّره النص، لم يُضعف الشعر فحسب، بل أضعف الوعي الجمعي أيضًا. فحين يصبح الشاعر نجمًا يُقدَّم في المسابقات كمؤدي لا كمفكر، وحين تُقيَّم القصيدة بالتصفيق لا بالمعنى، عندها يدق الجرس فعلًا – كما عنون الكاتب نصه – ليعلن بداية مرحلة جديدة من السطحية الثقافية.


“رن يا جرس؟!”.. صرخة ضد الغفلة

من خلال لغته الساخرة الذكية، استطاع الكاتب أن يوازن بين النقد والهجاء الأدبي.
فهو لا يهاجم الأشخاص بقدر ما يهاجم الظاهرة نفسها. يذكّرنا بأن الشعر في جوهره رسالة إنسانية وثقافية، لا أداة للتسلية أو وسيلة لتلميع الأسماء.

حين يقول:

“ما أضعف الإنسان الذي لا يستطيع أن يرفع من قيمة نفسه.”
يستشهد بسارتر، في إشارة إلى أن الوعي والكرامة هما ما يميز المثقف الحقيقي عن المزيف، وأن الثقافة لا تُقاس بالمظاهر ولا بالشاشات، بل بقدرة الإنسان على الدفاع عن قيمته الفكرية.


الجدّية الغائبة والسخرية الحاضرة

يُختتم نص “رن يا جرس؟!” بهمسة موجعة موجهة للمجتمع قبل الشعراء، إذ يحذّر الكاتب من خطر التهاون في القيم الثقافية، ومن تحويل الشعر إلى عرضٍ استعراضي. وبين السطور يظهر حنينٌ خفيّ إلى زمنٍ كان فيه الشعر ضمير الأمة، لا فقرة من فقرات برنامج ترفيهي.

الكاتب هنا لا يطلب مثالية مستحيلة، بل يدعو إلى العودة للجذور، إلى احترام الكلمة، وإلى إحياء الوعي الذي جعل من الشعراء يومًا صوت الأمة لا صوت الشهرة.


الخاتمة: حين يدق الجرس الأخير

يبقى نص “رن يا جرس؟!” شهادة على زمنٍ اختلط فيه الشعر بالاستعراض، والمجد بالكاميرا، والموهبة بالتسويق. لكنه أيضًا يذكّرنا بأن الجرس لا يدق عبثًا، بل ليوقظ، وليذكّر بأن الكلمة مسؤولية، وأن الثقافة لا تُشترى بالضوء بل تُصنع بالجهد والمعرفة.

في النهاية، يترك الكاتب جرسه يرنّ في الذاكرة، وكأنه يقول:
إن لم نُصلح ذائقتنا، وإن لم نحترم الكلمة، فسنظل نعيش في ضجيجٍ بلا معنى، حيث يتحدث الجميع ولا يسمع أحد.


وإذا أحببت النصوص التي تجمع بين الأدب والسياسة، فجرّب “فهد الإنسانية (1-4)“, “فهد السياسة (2-4)“, و”فهد الإسلام والسلام (4-4)“. كل منها يوثّق مرحلة ويصوغ رؤية.

رن يا جرس

مقالات ذات صلة

أخو لجعه.. قلق ومجد 1-3

راكان شاعر الفرسان وفارس البيان ابن حثلين قلق.. ومجد 2-3

ابن حثلين قلق ومجد الحلقة الثالثة والاخيرة

السامر ختام .. هلا فبراير

السامر بين نجران والرياض

يا سيدي ياسيد كل السيادات