تحياتي..!

/

/

تحياتي..!

تحياتي

تحياتي..! – بين الشعر الحقيقي وزمن التصنّع

في نص تحياتي..! المنشور يوم الأربعاء السابع من يناير عام 2004، يقدّم الكاتب قراءة نقدية جريئة لحال الشعر والأدب في زمنٍ بدأ فيه بريق الشهرة يطغى على ضوء الموهبة. النص ساخر في نبرته، لكنه عميق في جوهره، لأنه لا يكتفي بالسخرية من واقعٍ أدبي باهت، بل يحاول أيضًا تذكير القرّاء بما كان عليه الشعر من أصالة، وصدق، وموقف.
يبدأ الكاتب تحيته إلى الشعر الحقيقي، ثم يوجّه تحياته الساخرة إلى من ساهموا في تحويل الشعر إلى مشهدٍ استعراضيٍّ يخلو من المعنى. هكذا تتحول كلمة تحياتي..! في كل مرة إلى سلاحٍ لغوي يضرب بقوة، لا إلى مجرّد تحية مهذبة.


تحياتي..! للشعراء الذين حفظوا للقصيدة هيبتها

تتخذ تحياتي..! الأولى في النص طابع الوفاء والاحترام، حين يوجّه الكاتب كلامه إلى الشعراء الذين ما زالوا مخلصين للكلمة، أولئك الذين لم يبيعوا قصائدهم في سوق الشهرة، ولم يبدّلوا معانيهم بأضواءٍ زائفة.
في المقابل، تظهر التحية الثانية أكثر مرارة، إذ يوجهها إلى الشاعرات المصطنعات اللواتي برزن في الساحة الأدبية لا بفضل الموهبة بل بفضل من يكتب لهن وينشر عنهن، فيقول بوضوح إن اختلاف الزمن هو ما أتاح لهن الظهور، لا الإبداع ولا الصدق. إنها مفارقة بين شاعرة حقيقية تنزف وجدانًا، وأخرى تكتب لتُصفّق لها الجماهير.

هنا تكمن قوة النص؛ فبين سطور تحياتي..! يختبئ نقد لاذع للواقع الثقافي الذي فقد معاييره، وصار يقيس الجودة بعدد المتابعين لا بعمق الفكرة. فالشعر عند الكاتب موقف، بينما صار عند الآخرين إعلانًا.


تحياتي..! لزمن التسويق الأدبي

في المقطع التالي، يواصل الكاتب تحاياه، موجّهًا سهامه إلى من سمّاهم “معدِّي الشعر ومشرفيه”، أولئك الذين ابتكروا “نظريات تسويق الشعر بالشاعرات والغرائر”، كما وصفهم بسخرية لاذعة.
الكاتب هنا يرصد ظاهرة انتشرت في بدايات الألفية: الشعر الذي يُقدَّم كمنتجٍ إعلامي لا كفنٍّ لغوي. فالكلمة تُجمَّل، والقصيدة تُسوَّق، والظهور يُباع ويُشترى. كل ذلك يجري باسم الحداثة والتجديد، بينما الحقيقة أنه تسليع للأدب وتشويه لجوهره.
وهكذا تتحول تحية الكاتب إلى صرخة احتجاج ضد هذا الانحدار، إذ يعلن بأسلوب ساخر أن الأدب لم يعد كما كان، وأن الشعراء الجدد باتوا يشبهون العارضين أكثر مما يشبهون الكتّاب.


تحياتي..! لأمسيات الشعر الضائعة بين التصفيق والزينة

من أكثر مقاطع النص جرأة، حين يقول الكاتب بوضوح إن الأمسيات الشعرية فقدت معناها بعدما تحولت إلى عروض اجتماعية مختلطة. لم تعد المنصات مكانًا يُقرأ فيه الشعر، بل صارت مسرحًا يُعرض عليه الجمال والأنوثة والمظاهر.
فيقول متسائلًا بمرارة: “فكيف سنشاهد الجميلات المتبرجات وسنسمع بعدها لأنصاف الشعراء؟”
عبارة تختصر انحدار الذوق العام، حين يصبح الشكل أهم من الفكرة، والصورة أهم من الصوت. إنها تحياتي..! جديدة، لكنها هذه المرة ليست سخرية فحسب، بل حزنٌ دفين على قيمة الشعر التي كانت تُقاس بعمقه، لا بعدد الوجوه في القاعة.

الكاتب في هذا المقطع لا يهاجم المرأة، بل يهاجم من يستخدمها وسيلة تسويق، تمامًا كما يهاجم كل من جعل الأدب وسيلة للظهور بدل أن يكون وسيلة للتعبير.


تحياتي..! للأدب الغائب والصدق المفقود

تتخذ تحياتي..! منحى أكثر حزنًا حين يوجه الكاتب كلامه إلى الأدب نفسه، فيقول إننا نعيش زمنًا اختلط فيه “الناظم بالشاعر”، وصار الاثنان في الترتيب بعد “المشتري وربما زحل”، في إشارة رمزية إلى ضياع المكانة الأدبية الحقيقية.
هذه العبارة وحدها تكشف عمق الألم الذي يشعر به الكاتب، وهو يرى الأدب يُختزل في مظاهر سطحية لا تمتّ إلى جوهر الإبداع بصلة.
إنها ليست مجرد شكوى، بل تشخيص دقيق لحالة ثقافية عاشها المشهد الشعري العربي مطلع القرن الجديد، حين بدأت وسائل الإعلام تخلق نجومًا من ورق، وتُقصي الشعراء الحقيقيين الذين يكتبون في صمت.


تحياتي..! للمرأة التي تشبه البحر

ينهي الكاتب نصه بلمسة فكرية لافتة حين يورد اقتباسًا لفولتير يقول فيه:

“المرأة كالبحر، مطيعة لمن يقوى عليها، جبارة لمن يخشاها.”
ويبدو أنه يقصد بهذا الاقتباس التأكيد على أن القوة لا تعني الخشونة، وأن الجمال الحقيقي يكمن في العمق، لا في الزينة. كما أن هذه الجملة تحمل في طياتها مقارنة غير مباشرة بين المرأة والشعر: فكلاهما بحرٌ واسع، لا يعطي سره إلا لمن يفهمه بصدقٍ واحترام.

إن إدراج هذا الاقتباس في نهاية النص لم يكن اعتباطيًا، بل مقصودًا ليعيدنا إلى الفكرة الجوهرية: أن الشعر الحقيقي لا يُزيَّن بالمكياج، ولا يحتاج لتسويقٍ ليكون مؤثرًا. يكفيه أن يكون صادقًا ليبقى خالدًا.


تحياتي..! لكل من لم يبع صوته

في ختام النص، يرفع الكاتب تحية مختلفة، مفعمة بالاحترام والامتنان لكل من بقي مخلصًا للكلمة، لا يبحث عن شهرةٍ زائلة ولا يتجمّل بزيف. هؤلاء، كما يقول، هم ورثة الشعر الحقيقي، الذين يكتبون بضميرٍ، ويتركون أثرًا خالدًا لا تمحوه الأيام.
إن تحياتي..! الأخيرة في النص ليست تهكمًا بل رسالة: أن الأدب لا يموت، وأن الشعر وإن غاب مؤقتًا تحت الضجيج، سيعود كما كان، نقيًّا، عميقًا، وصادقًا.

الكتابة هنا لا تتوقف عند الشعر فحسب، بل تمتد نحو المجتمع كما في “بين مكافآت طالبات جامعة الأميرة نورة وعقود المعلمات“، و”الشورى بمفهوم الضرب“, و”الدخل المحدود. كلمات تلامس الواقع اليومي بصدق.

تحياتي

مقالات ذات صلة

الشعر الشعبي بلاط جامعة الملك سعود

ماجد الشلهوب:طرح مساهة الياسمينة شمال الرياض السبت المقبل

في ليلة جمعت الشعر بالصحافة راديو وتلفزيون العرب يحتفي بالسامر

يا زبن لا تكتب بصفحة مدارات

في معرضها الأول برعاية (فواصل) الأمير فيصل بن خالد بن سلطان يدشن انطلاقة التشكيلية غادة

في قصيدة عمرها 100 عام ابن عجلان في توبته يزهد بالدنيا