بيع الشعر

/

/

بيع الشعر

بيع الشعر

بيع الشعر: بين موهبة تُقدَّر وسلعة تُباع

تحليل نقدي لظاهرة بيع الشعر في الساحة الشعبية السعودية بعد تصريح مانع بن شلحاط، يناقش جذورها الاجتماعية وتأثيرها على الإبداع، ويؤكد أن الشعر الحقيقي لا يُباع ولا يُشترى.

في يوم الجمعة الموافق 5 أكتوبر 2012، شهدت الساحة الشعبية جدلًا واسعًا بعد تصريح الشاعر مانع بن شلحاط في أمسية طريف، حين تحدث بصراحة نادرة عن بيع الشعر لبعض أبناء الذوات وتعديل الأوزان لآخرين في حقبة ماضية. كان التصريح صادمًا للبعض، لكنه حقيقيٌّ في نظر من يعرف كواليس الشعر الشعبي وما يجري في الخفاء. فالحديث لم يصدر عن شاعر مبتدئ يبحث عن الأضواء، بل من شاعر عاصر أجيالًا وشهد مراحل التحول في الساحة، مما جعل تصريحه يحرّك المياه الراكدة ويفتح باب التساؤلات حول واقع الشعر وأمانته.


صدى التصريح في الساحة الشعبية

أثار تصريح مانع بن شلحاط موجةً من النقاشات بين الشعراء والجمهور، فالبعض رأى أن ما قاله محاولة للعودة إلى دائرة الضوء، بينما اعتبره آخرون اعترافًا شجاعًا يُعيد النظر في مفهوم بيع الشعر الذي طالما تم التستر عليه. وبين هذا وذاك، كشفت تلك الأمسية عن جانبٍ مظلم في الوسط الشعري، حيث يتحول الإبداع إلى سلعة، وتُباع القصيدة كما يُباع أي منتج تجاري.

ورغم أن هذه الظاهرة ليست جديدة تمامًا، فإن تداولها بهذه الصراحة جعل كثيرين يتأملون في حال الشعر الشعبي اليوم: هل أصبح وسيلة للربح أم ما زال رسالة فنية تعبّر عن الذات والمجتمع؟


بيع الشعر بين الماضي والحاضر

ظاهرة بيع الشعر ليست وليدة اليوم؛ فقد كانت موجودة منذ عقود ولكنها كانت تُمارَس في الخفاء، تُخفى بأسماء مستعارة أو ترتدي ثوب الإهداء والمجاملة. كان الشاعر في الماضي يكتب قصيدة لشخصٍ ذي مكانة أو جاه مقابل عطاء أو مكافأة، وكان الأمر يُنظر إليه بوصفه نوعًا من التقدير. أما اليوم، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت العملية أكثر وضوحًا وأحيانًا أكثر ابتذالًا، حيث تُعرض القصائد للبيع العلني ويُتاجر بها تحت أسماء وهمية.

لقد تحول الشعر لدى بعضهم إلى مهنة خالية من الإحساس، تُباع فيها الكلمات كما تُباع السلع، دون وعيٍ بقيمتها الجمالية أو أثرها الثقافي. ومع هذا التحول، فقد الشعر شيئًا من قدسيته، وصار البعض يشتري القصائد ليبني لنفسه شهرة زائفة أو مكانة وهمية.


تويتر والوجه المكشوف للباعة

من المنصات التي كشفت الكثير من هذه الممارسات، جاء موقع تويتر كمنبرٍ فضائي فضح بعض «باعة القصائد» و«المشترين الطفارى» كما يسميهم الشعراء القدامى. أصبحت الحسابات المتخصصة في بيع الشعر تنتشر بشكل لافت، وتعرض القصائد كما تُعرض المنتجات، بأسعار متفاوتة حسب الوزن والموضوع والشهرة.

لكن الفارق بين الأمس واليوم أن الجمهور أصبح أكثر وعيًا، وأصبح من السهل كشف القصيدة المسروقة أو المبيوعة. لم يعد من الممكن إخفاء الصوت الحقيقي للشاعر، فالإبداع لا يُستعار، والقصيدة الصادقة تحمل بصمة صاحبها مهما حاول الآخرون تقليدها.


بين موهبة حقيقية وتجارة زائفة

إن أخطر ما في ظاهرة بيع الشعر هو أنها تخلق بيئة مضللة تُقصي الموهوبين الحقيقيين وتفتح المجال أمام المزيفين. فحين يُقاس النجاح بعدد المتابعين أو بقيمة المبلغ المدفوع لا بجمال القصيدة، يفقد الشعر رسالته، ويغدو مجرد وسيلة للتفاخر الاجتماعي.

وفي المقابل، هناك شعراء حافظوا على نقاء الكلمة ورفضوا بيعها مهما كانت المغريات، لأنهم يدركون أن القصيدة ليست سلعة بل روح تُكتب بالصدق والشعور. هؤلاء هم الذين يخلّدهم التاريخ، بينما يذوب الباعة والمتاجرون بالكلمات في زحام النسيان.


من المسؤول عن انتشار بيع الشعر؟

اللوم لا يقع على الشعراء وحدهم، بل على البيئة الثقافية التي لم تضع ضوابط تحمي الإبداع من الابتذال. الإعلام أحيانًا يكرّس هذه الظاهرة حين يسلّط الضوء على الأسماء اللامعة دون التحقق من أصالة أعمالها. كما أن بعض المتلقين يسهمون في ترسيخها حين يُشيدون بالقصائد المكررة دون وعيٍ أو نقد.

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار إلى الكلمة، وإحياء قيم الأمانة الأدبية في الساحة الشعرية، فالشعر الحقيقي لا يُشترى ولا يُباع، بل يُولد من معاناة الشاعر وصدقه وإحساسه بالناس.


الشعر بين الأصالة والتقليد

الشعر الشعبي في جوهره هو مرآة للوجدان الجمعي، يعبر عن حياة الناس وأحلامهم. وعندما يتحول إلى سلعة، يفقد معناه الجوهري. الأصالة لا تُمنح بالمال، ولا تُكتسب بشراء قصيدة، بل تُبنى بالموهبة والمثابرة والصدق. لذلك، فإن إنقاذ الساحة الشعبية من هذه الظواهر يتطلب وعيًا من الشعراء والجمهور معًا.

ويظل القول بأن الشعر لا يُباع ولا يُشترى شعارًا جميلًا ما لم يُترجم إلى ممارسات حقيقية. فحين تُكرّم القصائد الصادقة وتُهمَّش المسروقة، سيتغير ميزان القيم، ويعود الشعر إلى مكانته كفنٍّ نقيٍّ يعبّر عن إنسانية المبدع.


رؤية في المستقبل

ربما يكون تصريح مانع بن شلحاط بمثابة جرس إنذار للساحة الشعرية، فالأمانة الأدبية ليست خيارًا بل واجبًا. إن وقف ظاهرة بيع الشعر يتطلب تعاون المؤسسات الثقافية والإعلامية مع النقاد والمبدعين الحقيقيين لبناء بيئة تحتفي بالإبداع النزيه وتنبذ الزيف.

وفي ظل التطور الرقمي الحالي، يمكن استحداث منصات توثق القصائد وتثبت ملكيتها الفكرية، بحيث يصبح من الصعب سرقتها أو نسبها إلى غير أصحابها. فالتقنية يمكن أن تكون حامية للموهبة كما كانت سببًا في كشف التلاعب.


خاتمة: الشعر لا يُباع

في نهاية المطاف، سيبقى الشعر الحقيقي عصيًّا على البيع، لأن الإبداع لا يُقاس بالمال، ولا يُشترى بالإعجاب. القصيدة التي تُكتب بصدقٍ تظل خالدة، بينما القصيدة التي تُباع تموت في أول منعطف. لذلك، فالشعراء الذين يصونون الكلمة ويكتبونها بإخلاص، هم الذين يخلّدهم التاريخ، أما الباعة والمتاجرون فمصيرهم النسيان.


نصوص “أبو ظبي تطور وشفافية” و “11 مارس صار «تويكس»”  و “ومن الشعر ما قتل!!”  تحمل رؤية ناقدة تجمع بين الطابع الاجتماعي والسياسي والثقافي، بروح ساخرة وطرح عميق.

بيع الشعر

بيع الشعر

مقالات ذات صلة

الغامدي يطير بجائزة مهرجان سلطان بن زايد التراثي

الشيخ محمد يطلق ديواناً جديداً بمناسبة العيد الوطني

السياري في مفاجأة أدبية!!

أمسية السامر تقدمت يوماً واحداً

نظائر السامر Do Not Call me!!

السامر يهدي مدارات مساجلة بينه وبين ساري