المنزلقون: سقوط الصحافة في فخ التفاهة
في يوم الأربعاء الموافق 2 فبراير 2005، كتب نص بعنوان “المنزلقون” ليضع أمام القارئ صورة نقدية صريحة عن واقع بعض المجلات التي انحدرت إلى مستويات متدنية من المحتوى. هذا النص ليس مجرد تعليق عابر على مطبوعة بعينها، بل هو قراءة معمقة لظاهرة بدأت تزداد في مطلع الألفية: صحافة بلا هوية، بلا مهنية، تبحث عن الإثارة والانتشار حتى لو كان الثمن هو الإسفاف والسطحية. إن “المنزلقون” هنا ليسوا مجرد أفراد، بل هم رمز لجيل من الصحفيين الذين اختاروا الطريق السهل، طريق الإثارة الرخيصة بدلًا من بناء محتوى رصين يرتقي بالقارئ والمجتمع.
المنزلقون وصحافة الإثارة
حين هاتَف أحد الزملاء الكاتب ليخبره بما قرأه، لم يكن الحديث عن مقال رصين أو نقد ثقافي، بل عن موضوع تافه نشرته مجلة شعبية لا تكاد ترتقي لأن تُحسب من الصحافة الصفراء. هذه المجلة، كما وصفها النص، ظهرت بأعداد متواضعة ليمنح صاحبها نفسه لقب “رئيس تحرير”. لكن خلف هذه الطموحات الصغيرة تختبئ كارثة أكبر: تحويل الصحافة إلى مجرد أداة لإشباع الغرائز والبحث عن الظهور، لا لتقديم فكر أو قيمة.
هؤلاء المنزلقون لم يكتفوا بالسطحية، بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أخطر: إدخال النصوص الشرعية في سياق بعيد كل البعد عن القداسة والاحترام. حين تُستخدم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في موضوع يخلط بين صور النساء والغناء والأفلام، فإن الأمر يتجاوز حدود الإسفاف إلى جرح قيم المجتمع والدين.
أزمة القارئ مع المنزلقين
السؤال الذي يطرحه النص بمرارة: هل أصبحت مجلات الشعر خردة بهذا الشكل؟ وكيف يصل الحال إلى أن يكتب أحدهم كلامًا يدينه قبل أن يُدين غيره؟ إن هذا الانزلاق لا يمس الصحافة وحدها، بل يمس القارئ أيضًا. فالمتلقي الذي يطالع مثل هذه المجلات يجد نفسه محاصرًا بمحتوى لا يحمل قيمة، محتوى يسلبه الوقت دون أن يمنحه فكرًا أو معنى. وهنا تكمن خطورة المنزلقين: أنهم لا يسيئون لأنفسهم فقط، بل يجرّون معهم القارئ إلى هوة التفاهة.
المنزلقون بين الصحافة الحقيقية والزائفة
النص يوضح أن ثمة مجلات أخرى تستحق الإشادة والمتابعة، مجلات تلتزم بالمهنية وتمنح القارئ إضافة فكرية ومعرفية. لكن مشكلة المنزلقين أنهم يرفعون الضجيج حول أنفسهم فيطغى صوتهم على ما سواهم. وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: الصحافة الرصينة تتعب لتبني الثقة، بينما الصحافة المنحدرة تجد طريقها سريعًا إلى الانتشار عبر الإثارة والسطحية.
صحافة بلا بوصلة
ما يفضحه “المنزلقون” ليس مجرد خطأ مهني، بل أزمة هوية كاملة. الصحافة حين تفقد رسالتها تتحول إلى وسيلة ترفيه رخيص. والكاتب حين استشهد بعبارة “آن لي أن أمد قدمي” لم يكن يعبّر فقط عن ملل من تلك المجلات، بل عن يأس من محاولة إصلاحها. فالصحافة التي يسيطر عليها المنزلقون لم تعد تهتم بالمسؤولية الاجتماعية، بل تركض خلف إغراء السوق.
خطورة المنزلقين على المشهد الثقافي
الصحافة ليست مجرد ورق، بل هي مرآة للمجتمع. فإذا تحولت هذه المرآة إلى صورة مشوهة، فإن القارئ يعتاد رؤية القبح على أنه طبيعي. المنزلقون إذن لا يهددون الصحافة فقط، بل يهددون الذائقة العامة، ويضعفون قدرة المجتمع على التمييز بين الجودة والرداءة. وعندما يصبح التفاهة قاعدة والرصانة استثناء، فإن الثقافة كلها تكون قد دفعت الثمن.
بين النقد والإصلاح
النص لا يكتفي بوصف الحال، بل يوجه رسالة مبطنة: لا يزال هناك أمل ما دامت هناك مطبوعات تستحق المتابعة، وما دام هناك قراء يميزون بين المنزلقين وأصحاب الأقلام الحقيقية. لكن الإصلاح يتطلب وعيًا جماعيًا: وعي القارئ الذي يرفض شراء تلك المطبوعات، وعي الكاتب الذي يتمسك بالمهنية، ووعي المؤسسات الثقافية التي يجب أن تحارب الرداءة عبر دعم الصحافة الرصينة.
المنزلقون كظاهرة متكررة
قد يبدو هذا النص قديمًا بزمن كتابته، لكنه في الحقيقة يعكس مشكلة متجددة. فاليوم، بعد عقود من تلك اللحظة، نرى صورًا جديدة للمنزلقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الأخبار الملفقة والعناوين المثيرة والصور المستفزة. الفرق الوحيد أن الوسيط تغيّر، لكن الانحدار بقي كما هو.
خاتمة: مقاومة الانزلاق
في الختام، يبقى “المنزلقون” أكثر من مجرد وصف لفئة من الصحفيين، إنه تحذير من خطورة الاستسلام لصحافة بلا مهنية. هؤلاء ليسوا مجرد أفراد ضلوا الطريق، بل هم انعكاس لظاهرة أوسع تهدد القيم الصحفية والفكرية. مقاومة الانزلاق تبدأ من الوعي، من تمسك القارئ والكاتب معًا بأن الصحافة رسالة لا مجرد تجارة. فالمجد لا يُبنى بالإثارة، بل بالصدق والإبداع، وما عدا ذلك ليس سوى منزلق يقود إلى هاوية لا عودة منها.
ولمن يبحث عن تجربة موسيقية تُعيد إليه عبق الماضي، فإن “زمان الصمت” يبقى شاهدًا على لحظة نادرة امتزجت فيها الكلمة باللحن، لتجعل من الذكرى نافذةً على زمنٍ كان فيه للفن مكانته العالية.