المغترة بين السماء والأرض: فيصل بن خالد ناقد المحاورة وشاعرها وباعثها
ليست المغترة بين السماء والأرض مجرد فعالية شعرية عابرة، ولا أمسية تُطوى بانتهاء ليلتها، بل هي حالة ثقافية ممتدة، تختصر علاقة المكان بالزمان، وتحوّل المنصة إلى مساحة تعانق الأرض بوقع أقدام الشعراء، وتلامس السماء بعلو أصواتهم. ومن هنا، يصبح الحديث عن المغترة بين السماء والأرض حديثًا عن مشروع ثقافي متكامل، يتجاوز حدود الحفل إلى ترسيخ منهج، وصناعة نجوم، وصون موروث شعري عريق.
كتب – زبن بن عمير:
حين يُذكر اسم الأمير فيصل بن خالد مقرونًا بشعر المحاورة، فإن الصورة لا تكتمل إلا باستحضار المغترة بين السماء والأرض بوصفها المنبر الذي أعاد للشعر الشعبي هيبته، وفرض معايير لا تقبل الإسفاف أو الهبوط إلى منطق المادة. فالمغترة لم تكن دلالة مكان فحسب، بل دلالة زمان أيضًا؛ زمن الشعر الجميل، والالتزام الفني، والرهان على الجودة لا الضجيج.
في الأرض تُقام فعاليات المغترة ، لكن صداها يتجاوز حدود الموقع، إذ تعلو القصائد، وتتردد الأصداء، ويُكتب للشعر حضور مختلف، يستند إلى رؤية راعٍ يدرك قيمة الكلمة، ويزن القصيدة بميزان الناقد قبل أن يصفق لها بيد المحب.
فيصل بن خالد والمغترة بين السماء والأرض: منهج لا يقبل الإسفاف
راعٍ يعرف دهاليز الشعر
لم يكن دعم الأمير فيصل بن خالد لشعر المحاورة دعمًا بروتوكوليًا، بل كان انحيازًا واعيًا لموروث يستحق البقاء. وفي قلب هذا الانحياز وُلدت المغترة بين السماء والأرض كمنصة تُعيد الاعتبار للقصيدة، وتضع حدًا فاصلًا بين الشعر الأصيل والتجارب العابرة.
حين يجلس بهدوئه المعتاد، وصمته الذي يسبق التقييم، يدرك الشعراء أن للحضور حسابات أخرى. فالراعي هنا ناقد بصير، يعرف تفاصيل المحاورة، ويستطيع أن يميّز بين الصورة المبتكرة والتكرار المستهلك. لذلك، لم يكن غريبًا أن تفرض المغترة معايير صارمة، عنوانها الأول: لا للإسفاف، ولا للانحدار نحو الإثارة الرخيصة.
بوصلة الجودة وصناعة النجوم
منهج المغترة لم يقتصر على تنظيم الأمسيات، بل أسهم في صناعة نجوم المحاورة الحاليين، وفتح المجال أمام أصوات أثبتت حضورها في الساحة. فمن هذا الميدان مرّ عمالقة، دكّوا ساحته وعلوا حصونه، ليتركوا بصمتهم في ذاكرة الشعر الشعبي.
عمالقة المحاورة في ميدان المغترة بين السماء والأرض
لا يمكن الحديث عن المغترة بين السماء والأرض دون استحضار الأسماء التي صنعت مجدها، وأعطتها وهجها الخاص. مطلق الثبيتي، صياف الحربي، رشيد الزلامي، الجبرتي، جارالله السواط، شليويح بن شلاح، أحمد الناصر، مستور العصيمي، خلف بن هذال… وقائمة تطول بأسماء شكلت أعمدة المحاورة في زمنها الذهبي.
هؤلاء لم يكونوا مجرد ضيوف على منصة، بل شركاء في مشروع ثقافي رعاه الأمير فيصل بن خالد بعين الناقد، ووجدان الشاعر، وحرص المهتم بالموروث. وفي كل أمسية من أمسيات المغترة ، كان الجمهور على موعد مع قصائد تُكتب بروح التحدي، وتُلقى بثقة الكبار، في مشهد يعيد إلى الأذهان صورة الشعر حين يكون رسالة لا مجرد منافسة.
فيصل بن خالد… ربع قرن في خدمة المحاورة
إحياء الموروث وصونه من التراجع
على مدى ما يقارب ربع قرن، ارتبط اسم الأمير فيصل بن خالد بمسيرة إحياء شعر المحاورة وتثبيت نجوميته. ومن خلال المغترة بين السماء والأرض، تحوّل الدعم إلى مشروع طويل النفس، هدفه الأول إبقاء الموروث حيًا في ذاكرة الأجيال، بعيدًا عن التشويه أو التسليع.
لم يكن الاهتمام منصبًا على الأسماء وحدها، بل على الفكرة ذاتها: أن يبقى الشعر الشعبي محافظًا على قيمته الفنية، ومكانته الاجتماعية، ودوره في التعبير عن الوجدان الجمعي. ولهذا، جاءت المغترة بوصفها درعًا يحمي القصيدة من الهبوط إلى منطق المادة، ويعيدها إلى فضائها الطبيعي، حيث المعنى قبل المكسب.
من الصفوف إلى المهرجانات
حتى في التفاصيل الصغيرة، كان للأمير فيصل بن خالد أثره في إحياء تراث مندثر، سواء عبر دعم الخيل، أو إقامة مهرجانات تبدأ من المسجد في ظاهرة نادرة تعكس ارتباط التراث بالقيم. وهنا، تبرز المغترة كجزء من رؤية أوسع، لا تفصل بين الثقافة والهوية، ولا بين الفن والأصالة.
خاتمة: المغترة بين السماء والأرض… مشروع يتجاوز الأمسية
بين الأرض والسماء يولد الشعر الحقيقي
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى المغترة على أنها فعالية موسمية، بل هي عنوان لمرحلة ثقافية رسّخت حضور شعر المحاورة، وأعادت إليه اعتباره، تحت رعاية ناقد يعرف قيمة الكلمة، وشاعر يدرك أسرارها، هو الأمير فيصل بن خالد.
إرث يتجدد ولا يندثر
لقد أثبتت المغترة بين السماء والأرض أن الشعر حين يجد الراعي الواعي، والمنصة المنضبطة، والجمهور المتذوق، يصبح قادرًا على البقاء والتجدد. وبين الأرض التي تُقام عليها الأمسية، والسماء التي تعلوها الأصوات، يبقى الشعر معلقًا في فضاء لا يحدّه زمن، ولا تُطفئه موجات عابرة.
وهكذا، تظل المغترة بين السماء والأرض شاهدًا على أن المحاورة ليست مجرد تنافس، بل موروث يُصان، ونجوم يُصنعون، ومنهج يُحتذى.

إن ما حققته المغترة بين السماء والأرض من صون للموروث الشعبي، يتقاطع مع مسيرة الوفاء والتميز التي نرصدها في صفحاتنا؛ فبينما كان الأمير فيصل بن خالد يبني حصون المحاورة، كان [السامر الاسم المميز شعرياً] يقدم نموذجاً آخر في دعم الشعر، ويوثق بصمته التي جعلت [السامر يدعم الشعر في جميع قنواته]. هذا الالتزام بالأصالة هو ما نراه في تغطياتنا لبرنامج [(آفاق ثقافية) برنامج يبث على ضوء الجنادرية]، حيث تبرز قيم الجودة التي تجلت في [هجينية خالد السديري]، وما قدمناه من قراءات تاريخية في [الحداوي شيء من التاريخ والجغرافيا]. إنها منظومة متكاملة تهدف لإبقاء وهج الإبداع حياً، تماماً كما هو حال المغترة بين السماء والأرض التي خلدت أسماء العمالقة في ذاكرة الوطن.