المدح: بين النبل القديم والابتذال الحديث
يتناول النص بعنوان “المدح” تحول هذا الغرض الشعري النبيل من وسيلة للتعبير عن الوفاء والكرم إلى أداة للاستجداء والمجاملة، مسلطًا الضوء على الفرق بين صدق القصيدة القديمة وزيف الحاضر، في محاولة لإحياء المعنى الأصيل للشعر النبيل.
في يوم الجمعة الموافق 23 نوفمبر 2012، كتب النص بعنوان “المدح” كصرخة تأملية تستحضر جمال هذا الغرض الشعري الذي كان يومًا مرآةً للنبل والوفاء. فالمدح في أصله كان فنًا راقيًا، يعكس أخلاق الممدوح كما يعكس ذائقة المادح وصدق إحساسه. لكنه اليوم، كما يقول النص، تحوّل في كثير من الأحيان إلى سلعة تُباع وتشترى، وانقلب من وسيلة للتعبير عن الوفاء إلى وسيلة للاستجداء.
هذا النص لا يهاجم المدح كفنّ شعري بحد ذاته، بل يهاجم الانحراف الذي أصابه حين فقد قيمته الأصلية، وتحوّل إلى وسيلة نفعية بعيدة عن الجمال الأدبي والصدق الإنساني. من خلال لغة متزنة وعميقة، يسعى الكاتب إلى لفت الانتباه إلى مسؤولية الشعراء والجمهور معًا في إعادة الاعتبار لهذا الفن الأصيل.
المدح في زمن النبل والكرم
كان قديمًا غرضًا شعريًا نبيلاً، يتوجه به الشعراء إلى الرجال العظام وأهل الكرم والمروءة، لا طلبًا لمكافأة، بل اعترافًا بالفضل وتقديرًا للمواقف الكريمة. كان الشاعر يرى في القصيدة عهدًا من الولاء، لا سلعة في سوق الكلام.
حين قال القدماء في ممدوحيهم أبياتًا خالدة، لم يكونوا يبتغون مقابلًا ماديًا، بل كانوا يخلدون القيم التي آمنوا بها، وينسجونها شعرًا نابعًا من القلب.
ولذلك كان في العصور الماضية سمة من سمات الوفاء والشهامة، لا أداة تملق. كان الشاعر يمدح النبل، لا الثراء، ويصف المواقف لا المناصب. كانت القصيدة شهادة شرف تُمنح للممدوح لأنها تعكس أخلاقه لا أرصدته.
حين تحوّل المدح إلى مهنة
لكن مع تغير الزمن، تحوّل المدح من غرض أدبي إلى وسيلة استرزاق. فالشاعر الذي كان يقول الحق في قصيدته أصبح أحيانًا يبحث عن مكسبٍ سريع، وصرنا نسمع السؤال المؤلم كلما نُشر نص جديد: “كم أخذت؟”
بهذه العبارة، كما يقول النص، تحوّل الشعر إلى “ماعون للتسوّل”، وصار وسيلة للاستعطاء لا وسيلة للتعبير عن الإعجاب أو التقدير.
لقد اختلطت القيم، وضاعت الحدود بين الشعر الحقيقي والمدفوع، حتى بات كثير من القراء لا يفرقون بين المخلص والمستجدي، وبين القصيدة الصادقة وتلك المصنوعة على الطلب.
أزمة القيم في ساحة الشعر
الكاتب هنا لا يلوم الشعراء وحدهم، بل يسلط الضوء على أزمة عامة في المجتمع الذي بات يرى في المدح وسيلةً للربح لا للوفاء. فحين تتبدل المعايير، يصبح من الطبيعي أن تُقاس القصيدة بعدد الريالات لا بعدد المشاعر التي حملتها.
ويشير النص إلى أننا في ظل الماديات الحديثة أصبحنا نلغي كل قيم الشعر والمعروف معًا، فلا صدق في المديح ولا وفاء في الكلمة.
هذه الأزمة ليست أزمة شعر فقط، بل أزمة ذوق وثقافة.
المدح الحقيقي لا يُشترى
النص يؤكد أن المدح الحقيقي لا يُشترى، بل يُكتَب من تلقاء الإعجاب والاحترام. فالشاعر الذي يمدح لأجل العطاء لا يمدح الرجل، بل يمدح الدراهم.
أما الشاعر الحقيقي، فهو الذي يكتب لأن الممدوح ألهمه بفعله أو مروءته أو أثره الطيب.
ولهذا فإن النداء الصادق هنا هو: أعيدوا للمدح نقاءه القديم. أعيدوا إليه صدقه وجماله وسموّه. فالشعر بلا صدق، وإن حمل أوزانًا وقوافي، يظل ناقص الروح.
كيف نعيد للمدح مكانته؟
حتى نستعيد مجد المدح، يجب أن نعيد بناء الذائقة الشعرية، وأن نُعلي من شأن الشعراء الصادقين لا المتكسبين.
ينبغي للإعلام والمجالس الأدبية أن تكرم القصيدة النابعة من القلب، لا القصيدة التي تُكتب لتُشترى.
وعلينا أن نتذكر دائمًا أن المدح الأصيل هو امتداد للشكر والثناء، وليس بابًا للمصلحة أو التملق.
حين يلتزم الشعراء بهذا المبدأ، وحين يتذوق الجمهور الشعر لذاته لا لمنفعته، سنعود إلى زمن جميل كان فيه المدح مرادفًا للصدق والولاء.
مرآة المجتمع
في نهاية المطاف، يظل المدح مرآةً تعكس أخلاق المجتمع. فإذا طغت المادة على القيم، طغى الزيف على الشعر.
لكن يبقى الأمل قائمًا في عودة القصيدة النقية التي تقول الحق وتخلّد الكرامة، تمامًا كما قال الجواهري رحمه الله في خاتمة النص:
خلعت ثوب اصطبار كان يسترني
وبان كذب ادعائي أنني جلد
بهذه الخاتمة المؤلمة يعيدنا النص إلى جوهر الشعر: أنه صرخة صدق، لا وسيلة للزيف أو التكسب.
خلاصة القول
النص بعنوان “المدح” يقدّم رؤية نقدية عميقة لمشهد الشعر الشعبي الحديث، كاشفًا عن فقدان البوصلة بين الصدق والزيف.
إن احترام الشعر لا ينفصل عن احترام النفس، والقصيدة ليست جسرًا للوصول، بل جناحًا للتحليق بالذوق والجمال.
وإذا أردنا أن نعيد للشعر مجده، فعلينا أولًا أن نعيد للمدح هيبته، وأن نرفع القصيدة عن كل ما يُهين معناها أو يُفرغها من صدقها.
لمن يرغب في قراءة موضوعات مشابهة، يضم الموقع نصوصًا ومقالات أخرى تسلط الضوء على تاريخ القيادة السعودية، وتعكس معاني الوفاء والانتماء الوطني، بما يفتح أمام القارئ نافذة أعمق لفهم التجربة الوطنية السعودية ومسيرتها.
