اللغز: حكاية فنّ شعبي يوشك على الغياب
في يوم الجمعة الموافق الخامس عشر من يناير لعام 2010، كتب النص بعنوان “اللغز” ليعيد إلى الذاكرة واحدًا من أجمل الفنون الشعبية التي شكّلت وجدان المجتمعات الخليجية عبر الأجيال. كان اللغز، أو ما يُعرف بالشعر المُلغّز، مساحة رحبة يتبارى فيها الأذكياء وأهل البديهة وسرعة الفهم، فبين الأبيات يتخفّى معنى، وبين الكلمات يكمن سرّ لا يكتشفه إلا الفطن. ومع مرور الزمن، بدأ هذا الفن الجميل يتراجع شيئًا فشيئًا، حتى كاد أن يصبح أثرًا من الماضي.
ما هو اللغز ولماذا كان محبوبًا بين الناس؟
اللغز لم يكن مجرّد تسلية أو لعبة لغوية، بل كان مرآة للذكاء الجمعي، ووسيلة للتنافس الشريف بين الشعراء والمهتمين بالأدب الشعبي. كانت الألغاز تُطرح في المجالس، وتُتداول في اللقاءات، فيتحلّق الناس حول قائلها، ويمتدّ السهر حتى ساعات الفجر، يترقّب الجميع من سيحلّ اللغز أولًا. وكان الفخر في حلّ اللغز لا يقلّ عن فخر نظم القصيدة، لأن من يحلّه يبرهن على ذكاء لغوي وثقافي لافت.
اللغز في أوج ازدهاره في الخليج
وفي أواخر التسعينيات الهجرية، بلغ هذا الفن ذروته، وأصبح جزءًا من الحياة الأدبية في الخليج. لم يكن شاعر يُذكر إلا وله بصمة في ميدان الألغاز، ولا مجلس يخلو من محاورات شعرية حولها. إلا أن الزمن، كما يغيّر في كل شيء، بدأ يأخذ من وهج هذا الفن، حتى تراجع تدريجيًا مع تغيّر أنماط الترفيه وانتشار وسائل الإعلام الحديثة.
إحياء فن اللغز على يد الشيخ محمد بن راشد
ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن اللغز دون الإشارة إلى من أعاد له الحياة بعد أن كاد يُنسى، وهو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي أنعش هذا الفن من خلال ألغازه السنوية الشهيرة. ألغازه لم تكن فقط منافسة شعرية، بل حدثًا ينتظره الشعراء والجمهور على حد سواء، لما تحمله من فكر لغوي راقٍ، ومعانٍ تتجاوز حدود اللغة إلى رمزية فكرية وثقافية.
كما لا يمكن نسيان دعم الأمير عبدالعزيز بن سعود بن محمد (السامر)، الذي وضع الجوائز، وسخّر وقته وماله في سبيل استمرار هذا اللون الأدبي، في وقت قلّ فيه المهتمون وندر الحافظون لتراث الألغاز.
اللغز فن يحتاج إلى ذكاء لغوي وثقافة واسعة
ورغم هذا الدعم الكريم، إلا أن النص يلمّح بمرارة إلى حقيقة مؤلمة: أن اليد الواحدة لا تصفق. فمهما بذل الشيخ محمد أو الأمير عبدالعزيز من جهد، يبقى استمرار هذا الفن رهينًا بمؤسسات ثقافية تتبناه، وبشركات راعية تدرك قيمته التراثية.
الكاتب يعترف في هذا النص أيضًا باعتراف جميل وصادق: أنه حاول مرارًا الدخول إلى عالم الألغاز وحلّها، لكنه لم يفلح إلا مرات معدودة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة. وهو اعتراف يعكس احترامه لهذا الفنّ الصعب، الذي لا يجيده إلا من امتلك بصيرة لغوية ودقّة ملاحظة، إذ يحتاج اللغز إلى ذكاء لغوي وذهن حاضر، وذاكرة قوية تستحضر الأمثال والرموز والمعاني.
اللغز مرآة للذكاء الشعبي واللغة العميقة
لقد كان اللغز، في زمنه الذهبي، ساحة يتجلّى فيها الذكاء الشعبي، ويظهر فيها مدى حبّ الناس للّغة العربية. كانت الأبيات تحمل بين طيّاتها صورًا واستعارات دقيقة، وعلى المستمع أن يفكّ رموزها، في رحلة بين الشعر والمعنى، بين الصورة والرمز، بين اللغة والمنطق.
حكمة السحلي العواي ونقد الواقع الشعري
وفي الختام، يختم النص ببيت من الشاعر لسحلي العواي يقول فيه:
يا عقاب مانت عقاب ولد العواجي
اللي على خيل المعادين هذّاب
أنته عقابٍ للصحن والدجاجي
مثل (…) مربطك بين الاطناب
بيت شعري ساخر في نبرته، لكنه يحمل نقدًا ضمنيًا لحال بعض “الأبطال المزيفين” في الساحة، الذين ادّعوا الشجاعة أو التفوق بينما هم بعيدون عنها، في إشارة ذكية إلى أن كل فنّ أو ميدان لا يخلو من منتحليه ومُدّعيه.
اللغز بين الماضي والحاضر: دعوة لإحياء التراث
النص هنا لا يتحدث فقط عن فنّ الألغاز، بل يتحدث عن الصدق في الإبداع. فالشاعر الحقيقي لا يقف عند حدود الشهرة أو الجوائز، بل يعيش مع الكلمة الصادقة ويؤمن بها. بينما من يتعامل مع الفن كوسيلة للمظاهر، فهو “عقابٍ للصحن والدجاجي”، كما قال العواي، لا مكان له في مضامير الشعراء الحقيقيين.
إن اللغز في جوهره يعكس تفاعل الإنسان مع اللغة والحياة، وذكاءه في فهم الرموز وتوظيفها، وقدرته على الإيحاء دون تصريح. وربما يكون هذا الفن على وشك الغياب، لكنه سيظل حيًّا في ذاكرة من عاشوه، وفي نصوص من كتبوا عنه، وفي حنين من أحبّوه ورأوا فيه جمال الكلمة ودقّة المعنى.
النصوص المشابهة
للمزيد من التأمل في الفنون الشعبية والشعرية يمكنك قراءة نصوص مشابهة مثل:
-
“الشكاكون“ الذي يناقش ظاهرة الشك والنقد السلبي في الساحة الشعرية.
- نص “قصائد ليست أبيات” الذي يستعرض بصمات كبار الشعراء.
-
أو زيارة الموقع الرسمي لـ زبن بن عمير لمتابعة المزيد من النصوص الأدبية التي توثّق جوانب من التراث والشعر الخليجي الأصيل.
