الشعر في حرم الجامعة: بين الذاكرة الثقافية والهوية الأكاديمية
في يوم الثلاثاء الموافق 18 مايو 2010، خرج الكاتب بنصّ بعنوان “الشعر في حرم الجامعة”، نصّ عميق يعيدنا إلى زمنٍ كانت فيه الجامعات منابر للإبداع واللغة، ومواطنًا لالتقاء الفكر بالعاطفة. في هذا النص، يتأمل الكاتب مكانة الشعر في حرم الجامعة، وكيف تحوّل من فعلٍ ثقافي أصيل إلى قضية مثيرة للجدل بين من يراه تراثًا يجب الحفاظ عليه ومن يعتبره ترفًا لا يليق بالمؤسسات الأكاديمية.
منذ عقود، كانت جامعة الملك سعود نموذجًا للانفتاح الثقافي، حيث احتضنت أمسيات الشعر الشعبي داخل أروقتها، وكان الشعر في حرم الجامعة جزءًا من المشهد الثقافي السعودي، يعكس تفاعل الطلبة مع لغتهم وهويتهم. لكنّ المشهد تغيّر تدريجيًا، حتى أصبح الشعر الشعبي يُنظر إليه بريبة، وكأنّ حضور القصيدة الشعبية يهدد الفصحى أو يقلّل من مكانة الجامعة. وهنا يطرح الكاتب سؤاله الجريء: لماذا نمنع ما كان يومًا سببًا في إثراء الوعي؟
يبيّن الكاتب أن العلاقة بين الشعر الفصيح والشعبي ليست علاقة تضاد كما يظن البعض، بل هي علاقة نسبٍ وجذرٍ واحد. فـالشعر في حرم الجامعة، سواء كان شعبيًا أو فصيحًا، هو امتداد للغة العربية الأمّ التي حفظها القرآن الكريم. إنّ الفصحى هي بنت السريانية، لكن العربية بقيت لأن القرآن اختارها لغة للخلود، بينما السريانية اندثرت. بهذا المعنى، يصبح الشعر الشعبي ابنًا بارًا للفصحى، لا خصمًا لها.
في طرحه، يستشهد الكاتب بالشيخ عبدالله بن خميس، الذي أثبت بالدليل أنّ كثيرًا من المفردات الشعبية في الخليج ذات أصل عربي فصيح. ويستنتج من ذلك أنّ الشعر في حرم الجامعة ليس خطرًا لغويًا كما يصوّره البعض، بل وسيلة تربوية تربط الطلاب بجذور لغتهم. فالشعر الشعبي لم يكن في يومٍ من الأيام غريبًا عن الوعي الأكاديمي، بل كان وسيلة للتعبير الحرّ عن الفكر والمشاعر بأسلوبٍ يقرّب اللغة إلى الناس.
ومع ذلك، يُشير الكاتب إلى أن بعض الجامعات الخليجية اليوم تتعامل مع الشعر الشعبي وكأنه دخيل أو “مخدر لغوي”، بينما في الواقع تقيم جامعات أخرى في الخليج أمسيات شعرية داخل الحرم الجامعي دون أن يعتبرها أحد تهديدًا. وهنا يظهر التناقض الصارخ: كيف يُعتبر الشعر في حرم الجامعة خطرًا في بلدٍ، ومصدر إلهامٍ في بلدٍ آخر؟ ولماذا يُحتفى به في المهرجانات الإعلامية وتُغلق الأبواب أمامه داخل الجامعة؟
يصف الكاتب هذا الموقف بـ”ازدواجية النظرة الثقافية”، حيث نُدرّس الأدب الشعبي في المقررات الجامعية ونستشهد بأمثلة منه، لكننا نتحفّظ حين يكون على المنصة. فهل أصبحنا نحارب ما ندرّس؟ وهل نسينا أن الجامعة هي المكان الذي يحتضن كل فكرٍ وثقافة؟ إنّ استبعاد الشعر الشعبي من الحرم الجامعي لا يُضعف القصيدة وحدها، بل يُضعف الوعي الطلابي الذي يتكوّن من تفاعل الفكر مع التراث.
الشعر في حرم الجامعة.. هوية ولغة وثقافة
إنّ الدفاع عن وجود الشعر في حرم الجامعة ليس مجرد حنينٍ إلى الماضي، بل دفاع عن الهوية اللغوية والثقافية. فالجامعة ليست مكانًا لتلقين العلوم فقط، بل فضاءٌ لتشكيل الإنسان المتوازن، القادر على الجمع بين الأصالة والمعاصرة. وعندما نستبعد الشعر، نخسر جزءًا من هذا التوازن، لأن الشعر هو الذاكرة العاطفية للغة، والصوت الذي يربط الأجيال بتاريخهم ووجدانهم.
لقد كان الشعر في حرم الجامعة في السابق يجمع الطلاب حول قصيدة تُلقى بحماس، فيتذوقون اللغة ويحاورونها، ويكتسبون حسّ الانتماء إلى الكلمة. واليوم، بعد أن تراجعت تلك المساحات، أصبحت الجامعات أكثر صمتًا وأقلّ دفئًا، وكأنها فقدت نبضها الثقافي.
بين الشعبي والفصيح: جدلية لا تنتهي
يُعيد الكاتب النقاش إلى جوهره: العلاقة بين الشعبي والفصيح. فالفارق بينهما ليس في القيمة بل في الشكل، وكلاهما يعبران عن الإنسان والبيئة. إنّ الشعر في حرم الجامعة، حين يُفسح له المجال، يخلق جسرًا بين الأدب الأكاديمي والذائقة الشعبية، بين الصفوة والناس، بين النظرية والتجربة الحية.
خاتمة: حين يعود الشعر إلى الجامعة، تعود الروح إلى اللغة
يختتم الكاتب نصه بنداءٍ واضح: أعيدوا الشعر في حرم الجامعة إلى مكانه الطبيعي. فليس الشعر الشعبي خطرًا، بل غيابه هو الخطر. إنّ السماح للأمسيات الشعرية أن تُقام داخل الجامعة هو إحياءٌ لروح الإبداع، وهو ترسيخ لفكرة أن التعليم لا ينفصل عن الثقافة، وأن اللغة لا تزدهر إلا إذا خرجت من الكتب إلى القلوب.
يبقى الشعر في حرم الجامعة شاهدًا على التفاعل بين المعرفة والإحساس، بين المنهج والعاطفة، بين الهوية والحداثة. وحين تستعيد الجامعات هذه المساحة، فإنها لا تكرم الشعر وحده، بل تكرم ذاتها بوصفها منارة للعلم والثقافة واللغة.
ولمن يحب قراءة النصوص التي تمزج بين الذاكرة والوجدان، يمكنه الرجوع إلى نصوص مثل “وداع الأحبة” و “رحيل الإنسان سلمان” و “ورحل رضيمان” ، حيث يسجّل الكاتب لحظات الوداع بصدق إنساني يجعل الكلمة جزءًا من العاطفة والوفاء.
