الأمسيات وهيئة السياحة: بين الشعر والهوية الثقافية في الرياض
يتناول النص دور هيئة السياحة في دعم الأمسيات الشعرية بالرياض، من خلال تحليل العلاقة بين الثقافة والسياحة، وإبراز أهمية الشعر الشعبي كأداة للحفاظ على الهوية الوطنية وتنشيط المشهد الثقافي السعودي.
في التاسع والعشرين من فبراير عام 2004، كانت العاصمة السعودية الرياض تشهد حدثًا ثقافيًا مختلفًا، حينما أعلنت الصحف عن إقامة تسع أمسيات شعرية يشارك فيها أكثر من ثلاثين شاعرًا من نجوم الشعر الشعبي في المملكة. لم يكن الخبر مجرد فعالية فنية عابرة، بل خطوة لافتة وغير مسبوقة في عالم التسويق، إذ جاءت برعاية إحدى الشركات المنتجة للمشروبات الغازية، التي قررت الترويج لمنتجها عبر الشعر، لا عبر الإعلانات المعتادة.
هذه المبادرة أثارت تساؤلات واسعة حول مكانة الشعر الشعبي في المشهد الثقافي السعودي، وحول غياب الدعم المؤسسي الرسمي من هيئة السياحة والجهات الثقافية لتنظيم مثل هذه الفعاليات التي تحيي الوجدان وتثري الحياة الاجتماعية.
الشعر الشعبي.. موروث وطني يستحق الرعاية
الشعر الشعبي في المملكة ليس مجرد كلمات موزونة، بل هو مرآة لهوية الإنسان السعودي، وتعبير عن وجدانه وبيئته وعلاقته بالأرض. ولهذا ظل الشعر الشعبي حاضرًا في المناسبات الوطنية والاجتماعية، من الأفراح إلى المهرجانات، بل كان في بعض الأحيان وسيلة للتعبير عن القيم والمشاعر العامة في مواجهة التحديات والتحولات.
ومع كل هذه المكانة، يُطرح السؤال: لماذا تغيب هيئة السياحة عن دعم هذا اللون من الفنون الشعبية؟ فالشعر يمكن أن يكون أحد ركائز الترويج السياحي، لأنه يجذب الجمهور، ويخلق ارتباطًا وجدانيًا بين الزائر والمكان، ويقدّم صورة إنسانية عن الثقافة المحلية.
هيئة السياحة ودورها الغائب في تنشيط الحياة الثقافية
في الوقت الذي تهتم فيه هيئة السياحة بتطوير الفعاليات الموسمية والمهرجانات الترفيهية، يبدو أن الفعل الثقافي لم يحظَ بعد بالاهتمام الذي يستحقه.
فمدينة مثل الرياض، بكل ما تملكه من طاقة بشرية وبنية تحتية وتجهيزات تنظيمية، قادرة على أن تكون وجهة للشعر والفن الشعبي، لكنها تحتاج فقط إلى مبادرة رسمية تجعل من الأمسيات الشعرية جزءًا من خارطة الفعاليات السنوية.
ومن اللافت أن أول من بادر إلى تنظيم تلك الأمسيات لم تكن جهة ثقافية أو رسمية، بل شركة تجارية رأت في الشعر وسيلة ناجحة للتسويق. وهذا يعكس مدى تعطش المجتمع لمثل هذه اللقاءات التي تجمع الشعراء بالجمهور في أجواء أدبية راقية.
تساؤلات حول التنسيق بين هيئة السياحة والقطاع الخاص
أثار الكاتب في نصه الأصلي نقطة مهمة تتعلق بضرورة التعاون بين هيئة السياحة والقطاع الخاص في تنظيم الفعاليات الثقافية.
فبدلًا من أن تبقى الأمسيات الشعرية جهودًا فردية أو مبادرات متقطعة، يمكن للهيئة أن تضع إطارًا تنظيميًا يتيح للقطاع الخاص المشاركة في التمويل والرعاية مقابل عوائد ترويجية وثقافية.
إن مثل هذا التعاون لا ينعش فقط الحياة الثقافية، بل يساهم في تحريك الاقتصاد المحلي، ويدعم الفنانين والشعراء، ويخلق فرصًا جديدة للتفاعل الاجتماعي والسياحي.
الرياض.. مدينة تستحق أن تكون عاصمة الشعر
الرياض لا تملك بحرًا ولا شواطئ مثل المدن الساحلية، لكنها تملك جمهورًا من عشاق الشعر يملأ القاعات متى ما دُعي إلى أمسية أو ندوة.
ولذلك فإن غياب الأمسيات الشعرية المنظمة في العاصمة لا يمكن تفسيره إلا بضعف التخطيط الثقافي، أو بتجاهل هذا الجانب من قِبل هيئة السياحة رغم ما يملكه من إمكانات هائلة.
ففي كل مرة تُقام فيها أمسية—even لو كانت تجارية الطابع—يتضح أن الإقبال الجماهيري هائل، وأن الناس يبحثون عن صوت الكلمة الصادقة التي تعبّر عنهم بلغتهم ولهجتهم وإحساسهم.
دروس من التجارب الخليجية
تُظهر التجارب الخليجية المجاورة أن الاستثمار في الشعر ليس رفاهية، بل عنصر جذب سياحي واقتصادي.
ففي بعض الدول، أصبحت الأمسيات الشعرية جزءًا من المهرجانات الوطنية الكبرى، تدرّ ملايين الريالات، وتستقطب الزوار من مختلف الدول العربية.
هذه النماذج توضح أن الشعر الشعبي حين يُدار باحتراف يمكن أن يكون وسيلة ترويج سياحي ناجحة، وهذا بالضبط ما تحتاج هيئة السياحة إلى إدراكه وتفعيله في برامجها المستقبلية.
الجمهور ينتظر.. والدعم المؤسسي ضرورة
النجاح الكبير الذي رافق الأمسيات التسع في الرياض لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة طبيعية لشغف الجمهور بهذا الفن.
وقد أظهرت ردود الأفعال حينها، حتى قبل إقامة الأمسيات، ترحيبًا واسعًا من الناس الذين وجدوا في الشعر متنفسًا يعيد إليهم ذكريات المجالس القديمة التي كان الشعر فيها زينة اللقاء.
لكن هذا النجاح لن يستمر ما لم يتم دعمه وتنظيمه رسميًا، لتتحول الأمسيات إلى تقليد ثقافي دائم تحت مظلة هيئة السياحة ووزارة الثقافة.
هيئة السياحة ومسؤولية حماية الهوية الثقافية
حين تتبنى هيئة السياحة دعم الأمسيات الشعرية، فإنها في الواقع لا تدعم الشعراء فقط، بل تحمي جزءًا أصيلًا من هوية الوطن.
فالشعر الشعبي يحمل في طياته اللهجة، والموروث، والعادات، ويعبّر عن العلاقة المتينة بين الإنسان السعودي ومجتمعه.
وكلما كان الشعر حاضرًا في المهرجانات والمواسم السياحية، ازدادت فرص إبراز الهوية الوطنية بشكل مؤثر وجذاب.
ختامًا: من التسويق التجاري إلى الاستثمار الثقافي
لقد بدأت القصة بتجربة تجارية أرادت الترويج لمنتجها عبر الشعر، لكنها تحولت إلى نقاش وطني حول غياب الدور الثقافي لـ هيئة السياحة في دعم الفنون الأصيلة.
وهنا تتضح المفارقة: حين يسبق القطاع الخاص الجهات الرسمية في استشعار قيمة الشعر الشعبي كقوة ناعمة، فإن على المؤسسات المعنية أن تراجع استراتيجياتها، وأن تضع الثقافة في قلب العمل السياحي لا في هامشه.
إن إقامة الأمسيات ليست ترفًا، بل وسيلة لحماية الجمال من الاندثار، وربط الحاضر بجذوره العميقة التي لا تزال تنبض بالشعر والحكاية والوجدان.
تتكرر في هذه الصفحات ملامح النقد والبحث، كما نراها في “المجهر النقدي” و “هل أُحبط الشعر؟” و “نقد أصحاب السمو بين الرياضة والشعر!!“. كل نص يفتح نافذة مختلفة للتأمل.
