ليل وقصيد ، لقاء شامل مع الشاعر مشعان البراق الروقي العتيبي
في حلقة متميزة من برنامج ليل وقصيد، يستضيف المذيع زبن عمير الشاعر مشعان البراق الروقي العتيبي في حوار صريح وشامل يعكس تجربة شعرية وثقافية تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد كلمات تقال، لتصل إلى عمق العلاقة بين الإنسان والقصيدة، بين الذوق والوعي، وبين النص والجمهور. هذه الحلقة لا تكتفي بعرض مجموعة من القصائد، بل تقدم نظرة متعمقة إلى رؤية شاعر يحتفظ بصوته الخاص عبر مسار طويل من التفكير والممارسة والتمحيص.
اللقاء يأتي في جزأين، وفي كل جزء يفتح بابًا جديدًا لفهم تجربة مشعان البراق الروقي بوصفه صوتًا شعريًا مستقلًا، لا يسعى إلى الضجيج الإعلامي بقدر ما يسعى إلى أن تكون قصيدته انعكاسًا صادقًا للذات وللتجربة الإنسانية.
في بداية الحوار، يتناول مشعان البراق الروقي موضوع الحلم الثقافي الذي راوده طوال سنوات، والمتمثل في إنشاء مطبوعة تخاطب الخليج كله. يوضح أنه يؤمن بهوية خليجية جامعة، حيث الأخوة بين السعودي والكويتي والقطري والبحريني والإماراتي واضحة في العادات والتقاليد والموروث الشعبي. من هذه الرؤية، ينبع طموحه في أن تكون المطبوعات أكثر شمولًا، تعبّر عن كل هذه الشرائح، وتعمل على انتقاء الكتّاب والشعراء وتقديمهم للجمهور دون أن تكون محصورة في توجه ضيق. الحديث في هذا الجزء يعكس وعيًا عميقًا بمكانة الثقافة في توحيد التجارب الإنسانية، وبأن المشروع الثقافي لا يمكن أن يختزل في حدود جغرافية صغيرة أو برؤية ضيقة.
ينتقل الشاعر في حديثه إلى مسألة حرية التعبير داخل المطبوعات، ويؤكد أن الهدف كان أن يكون هناك سقف حرية أوسع، بحيث يُمنح الكاتب والمبدع مساحة للتعبير عن آرائه دون أن يكون ذلك مصحوبًا بتجريح أو إساءة. يؤكد أن الحرية ليست الفوضى، وأن احترام الذوق العام لا يتعارض مع الانفتاح على الأفكار المتنوعة. هذا الطرح يعكس وعيًا ثقافيًا يتجاوز السطحية، ويضع حدودًا واضحة للتعبير، مع الحفاظ على الكلمة الصادقة التي تُثري الذائقة ولا تُفرغها.
لكن الطموح الثقافي اصطدم بواقع السوق، وهو ما يوضح مشعان البراق الروقي في سياق الحديث عن الصحافة الورقية والمطبوعات الشهرية واليومية. يشير إلى أن كثرة المطبوعات، وضعف القدرة على التوزيع، وضعف الطلب على المحتوى الجاد، كلها عوامل أدّت إلى تراجع الصحافة الورقية بشكل عام، مقارنة بما كانت عليه في فترات سابقة. يتوقف عند أرقام التوزيع التي لم تتجاوز سبعة آلاف نسخة في أشهر عدة، وهي أرقام متواضعة مقارنة بما كانت تسجله الصحافة في أزمنة أخرى، ما يشير إلى تغيّر في سلوك القارئ ونمط استهلاكه للمحتوى.
في هذا الجزء من الحلقة، يقدم مشعان البراق الروقي قراءة نقدية لسبب توجه الناس نحو مطبوعات أقل عمقًا وأكثر سطحية، فيقول إن هناك انحطاطًا في الذوق العام ساهم في ذلك، ليس فقط بسبب الخيارات المتاحة، بل لأن السوق يفرض ما يبيع. بذلك يربط بين الذائقة والثقافة والطلب، معتبرًا أن الإعلام التجاري شأنه شأن أي سوق آخر، يحكمه منطق الربح أولاً، ما يجعل المحتوى يقدّم بحسب ما هو مربح أكثر من كونه جديرًا ثقافيًا أو فنيًا.
ومن هنا يفتح الحوار بابًا مهمًا عن علاقة الجمهور بالمحتوى الثقافي الراقي، ويتساءل عن الأسباب التي دفعت القارئ إلى الانصرف عن الصحافة الجادة لصالح محتوى أخف وأسرع في الاستهلاك. هذا التساؤل لا ينبع من استنكار فقط، بل من محاولة فهم التغيرات الاجتماعية والنفسية التي يمر بها المجتمع، وكيف أن الجمهور بات يبحث عن المتعة السطحية بدلًا من التعمّق في المغزى والمعنى.
مشعان البراق الروقي يضع أمام المشاهد مفهومًا آخر للقصيدة والمقالة، حيث لا يرى الشعر مجرد أداة للتسلية أو الترفيه، بل بوصفه وسيلة لتفكيك الواقع ومساءلته. يشير إلى أن المقالة، رغم نخبوية قرائها، تمنحه مساحة أوسع للطرح والتحليل، بينما تبقى القصيدة مرتبطة ببحرها الخاص، وبحاجتها إلى وعي المتلقي حتى يُدرك مضامينها الدقيقة. هذا التمييز بين الشكلين يتيح فهمًا أعمق لطبيعة اهتمامه بالثقافة والكتابة، باعتبار أن كلاهما يكمل الآخر ولا يتناقض معه.
وفي الجزء الثاني من اللقاء، ينتقل الحوار إلى علاقة الشاعر بالضوء الإعلامي والنجومية، فيطرح مشعان البراق الروقي تساؤلات حول جدوى المشاركة في المسابقات الشعرية، وهل هي معيار للحضور الحقيقي أم مجرد سباق لتحقيق أرقام صوتية سريعة؟ يوضح أن بعض المسابقات يدفع فيها الضيف ثمن الضوء الإعلامي دون أن يكون ذلك انعكاسًا حقيقيًا لقيمته الفنية، معتبرًا أن الطريق إلى الجمهور الحقيقي ليست بالضرورة عبر المسابقات، بل عبر تقديم نص صادق يرتبط بالعاطفة الإنسانية ويصل إلى الناس دون تزييف.
يستخدم السبهان مثالًا في حديثه عن ناصر الفراعنة، الذي رغم أنه لم يكسب المسابقة، إلا أنه استطاع أن يكسب قلوب الناس وأن يُترك أثرًا في متلقيه، مما يجعل المثال نموذجًا واضحًا على أن التميّز لا يقاس دائمًا بالألقاب، بل بالصلة الوجدانية التي تنشأ بين النص والقارئ أو المستمع. هنا يتضح موقف مشعان البراق الروقي من النجومية: أنها ليست الهدف بحد ذاتها، بل النتيجة الطبيعية للشاعر حين يكون صادقًا مع نصه، ومتواصلاً مع جمهوره، دون تسلّق السلالم الإعلامية بسرعة.
يتضح في سياق حديثه أن النجومية قد تأخذ من الشخص أكثر مما تعطيه إذا لم يكن واعيًا بحدودها، وأن الضجيج الإعلامي قد يخفي جوهر النص ونقاء المعنى. ومن هذا المنطلق، يرى الشاعر أن حضور القصيدة في البيوت، واستقبالها من المتلقّي باحترام وتقدير، أهم من أي لقب أو لقب يُمنح في مناسبة إعلامية. هذه النظرة تُعيد للقصيدة مكانتها الأولى، وتعيد تحديد العلاقة بين الشاعر والنص والجمهور على أسس أعمق.
يختتم مشعان البراق الروقي حديثه في هذا اللقاء بنبرة تمزج بين الوعي والهدوء، مؤكدًا أن تجربته الشعرية ليست قائمة على تصفية حسابات مع أي أحد، بل على موقف يضع الشعر في موقعه الصحيح: كمرآة صادقة للتجربة الإنسانية، وكصوت يخلّف أثرًا يستمر حتى بعد انطفاء الأضواء. هذا الموقف، الذي يضع القيمة قبل الظهور السريع، يجعل من اللقاء مع البراق لحظة ثقافية تستحق التوقف والتأمل.
في هذا اللقاء من برنامج ليل وقصيد، يفتح الشاعر مشعان البراق الروقي العتيبي قلبه للحديث عن الثقافة، والقصيدة، والنجومية، في حوار صريح مع زبن عمير يكشف رؤية شاعر يؤمن بأن الكلمة تبقى أثرًا قبل أن تكون ضجيجًا.
-
ولمن يرغب في التوسع أكثر في التجارب الشعرية، يمكنه الاطلاع على لقاء الشاعر علي بن حمري ضمن برنامج ليل وقصيد، حيث يقدّم قراءة مختلفة في الشعر والموقف والتجربة الإنسانية.