لقاء خاص ، الشيخ والشاعر حجاب بن نحيت
الجزء الأول والجزء الثاني – قراءة في تجربة شاعر تجاوز الشعر إلى الموقف
في هذا اللقاء الخاص، لا نستمع إلى شاعر فحسب، بل إلى تجربة إنسانية كاملة، يتقاطع فيها الشعر مع الموقف، والرأي مع المسؤولية، والتجربة الشخصية مع الشأن العام.
مدخل اللقاء: شاعر خارج الزمن الاستهلاكي
جاء لقاء الشيخ والشاعر حجاب بن نحيت على شاشة قناة الصحراء بوصفه لقاءً استثنائيًا بكل المقاييس، لا من حيث الاسم وحده، بل من حيث المحتوى والجرأة والعمق. فالمشاهد لا يجد نفسه أمام شاعر يسعى لاستعادة الضوء أو استدرار الاهتمام، بل أمام شخصية أدركت مبكرًا معنى الاكتفاء، واختارت أن تتكلم حين يكون للكلام وزن، وأن تصمت حين يصبح الكلام مجرد تكرار. اللقاء قُدِّم باعتباره “خاصًا”، وكان كذلك فعلًا، لأنه تجاوز المجاملات والأسئلة السطحية، واتجه مباشرة إلى جوهر التجربة الشعرية والفكرية لرجل لم يفصل يومًا بين القصيدة والموقف.
الجزء الأول: الشعر، السياسة، والموقف
في الجزء الأول من اللقاء، بدا حجاب بن نحيت حاضرًا بثقله الشعري والفكري، متكئًا على تجربة طويلة جعلته يتحدث بثقة لا تحتاج إلى تبرير. افتتح الحوار بقصيدة سياسية مباشرة، تناولت مواقف إقليمية حساسة بوضوح لافت، دون مواربة أو احتماء بالرمز. هذا الحضور السياسي في القصيدة لم يكن طارئًا ولا استعراضًا، بل امتدادًا طبيعيًا لقناعة راسخة بأن الشاعر ليس كائنًا معزولًا عن واقعه، وأن القصيدة قادرة على أن تكون موقفًا أخلاقيًا لا يقل قوة عن أي خطاب سياسي.
وتطرق الحوار إلى قضايا الفوضى والمظاهرات، حيث قدّم حجاب بن نحيت رؤية حادة لكنها محسوبة، قائمة على قراءة تاريخية وتجارب واقعية لدول دفعت ثمن الانفلات. حديثه لم يكن انفعاليًا، بل اتسم بالهدوء والتحليل، مؤكدًا أن الأمن والاستقرار لا يتناقضان مع الإصلاح، بل يشكّلان شرطه الأول، وأن الفوضى لا تصنع عدالة، بل تفتح أبوابًا لمعاناة أوسع.
شاهد الجزء الأول من هنا:
الإعلام، الغياب، والاكتفاء
من أكثر محاور الجزء الأول دلالة، حديثه عن الإعلام والشهرة. أقرّ حجاب بن نحيت بأن الإعلام لم ينصفه في بداياته، لكنه في الوقت ذاته شدّد على أنه اليوم لم يعد بحاجة إليه. هذه المفارقة تكشف شخصية لا ترى في الظهور غاية، بل وسيلة مؤقتة، ولا تقيس قيمتها بعدد الشاشات أو نسب المشاهدة. غيابه الطويل عن الساحة لم يكن انسحابًا ولا هروبًا، بل خيارًا واعيًا فرضته قناعة داخلية بأن القيمة الحقيقية لا تُستهلك بسرعة، وأن الحضور المتقطع أحيانًا يمنح الكلمة ثقلًا إضافيًا حين تُقال.
الجزء الثاني: التجارة، الفقر، ونقد المجتمع
انتقل الجزء الثاني من اللقاء إلى مساحة أكثر التصاقًا بالحياة اليومية. تحدث حجاب بن نحيت عن تجربته في التجارة، وعن قرارات جريئة اتخذها، من بينها بيع منزله والدخول في استثمارات محسوبة المخاطر. لم يقدّم هذه التجربة بوصفها بطولة شخصية، بل كدليل على أن النجاح لا يولد من الحذر المبالغ فيه، وإنما من فهم المخاطرة وإدارتها بوعي.
ومن هذه التجربة، انفتح النقاش على قضية الفقر وأسبابه الحقيقية في المجتمع. قدّم بن نحيت طرحًا صادمًا للبعض حين ربط الفقر بالمغالاة في تكاليف الزواج، منتقدًا ثقافة الاستعراض الاجتماعي التي ترهق الأسر وتدفع الشباب إلى دوامة ديون طويلة الأمد. طرحه لم يكن تنظيرًا فوقيًا، بل قراءة نابعة من واقع معاش، دعا فيها إلى مراجعة القناعات الاجتماعية قبل البحث عن حلول شكلية.
شاهد الجزء الثاني من هنا:
: الشعر، الأبوة، والجيل الجديد
في هذا الجزء أيضًا، برز حجاب بن نحيت بوصفه أبًا قبل أن يكون شاعرًا. تحدث عن علاقته بابنه زياد بن نحيت، وعن مفهوم النجومية، مؤكدًا أن نجاح الابن لا ينتقص من الأب، بل يُعد امتدادًا طبيعيًا له. نفى أي شعور بالغيرة، وأظهر فخرًا واضحًا، مع احتفاظه بمسافة تميّز تجربته الطويلة عن البدايات السريعة للجيل الجديد.
كما تناول واقع الساحة الشعرية، وانتقد الاعتماد المفرط على التصويت الجماهيري في المسابقات، معتبرًا أن الذائقة العامة لا تصلح دائمًا للحكم على القيمة الفنية، ومؤكدًا أهمية التحكيم المتخصص. هذا الموقف يعكس حرصه على جوهر الشعر لا على شعبيته العابرة، وعلى بقاء القصيدة معيارًا للمعنى لا للأرقام.
اللوحة الشعرية: حين تتحوّل القصيدة إلى مشهد كامل
توقّف اللقاء عند مفهوم اللوحة الشعرية بوصفها أحد أبرز ملامح تجربة حجاب بن نحيت، حيث لا تُبنى القصيدة عنده على بيت منفصل أو فكرة مجتزأة، بل على مشهد متكامل العناصر، تتداخل فيه الصورة مع الإيقاع، والمعنى مع الموقف. بن نحيت يرى أن القصيدة الناجحة هي التي يستطيع المتلقي أن “يراها” قبل أن يسمعها، وأن يعيش تفاصيلها كما لو كانت مشهدًا حيًا لا مجرد كلمات موزونة.
وأوضح أن اللوحة الشعرية لا تأتي من الزخرفة اللفظية أو المبالغة البلاغية، بل من الصدق، ومن قدرة الشاعر على الإمساك بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع المشهد الكبير. فالصورة عنده ليست ترفًا فنيًا، بل وسيلة لتمرير الفكرة والموقف دون مباشرة فجّة. ولهذا تبدو قصائده قادرة على التأثير حتى عند اختلاف المتلقي معه، لأن اللوحة تُقدَّم بوعي فني لا باستفزاز شعاري.
كما أشار إلى أن بناء اللوحة الشعرية يحتاج صبرًا وتجربة، وأن الاستعجال في كتابة القصيدة يفسد تماسكها الداخلي. فكل بيت عنده يجب أن يخدم المشهد العام لو كان جميلًا—يُعد عبئًا على القصيدة. هذا الوعي البنائي يفسّر لماذا بقيت كثير من قصائده حاضرة في الذاكرة، لا لأنها صاخبة، بل لأنها متماسكة ومكتملة.
ويرى حجاب بن نحيت أن اللوحة الشعرية هي ما يميّز الشاعر عن “الناظم”، لأنها تتطلب رؤية قبل الوزن، وفكرة قبل القافية. ومن هنا، فإن القصيدة عنده ليست رد فعل آني، بل عمل يُفكَّر فيه ويُعاد بناؤه حتى يستقر على صورته النهائية، تمامًا كما تُرسم لوحة لا تُترك حتى تكتمل تفاصيلها.
شاهد اللوحة الشعرية من هنا:
الخلاصة: شاعر حين يتكلم، يترك أثرًا
لقاء الشيخ والشاعر حجاب بن نحيت لم يكن مجرد حوار تلفزيوني من جزأين، بل وثيقة فكرية وشعرية لرجل اختبر الحياة من زوايا متعددة: الشعر، التجارة، المجتمع، والسياسة. ما ميّز اللقاء هو الصراحة، وغياب محاولات إرضاء الجميع، والقدرة على الجمع بين الحكمة والحدة دون تناقض.
في زمن يكثر فيه الكلام ويقل فيه المعنى، جاء هذا اللقاء ليؤكد أن بعض الأصوات حين تختار الصمت طويلًا، فإنها حين تتكلم، تقول ما يستحق أن يُسمع.
يمكن الاطلاع على تجربة الفنان خالد عبدالرحمن ، تجربة فنية متكاملة في برنامج لقاء خاص ، تجمع بين التراث، الغناء الأصيل، والتواصل الصادق مع الجمهور.