عبدالرحمن بن سعود الشاعر

/

/

عبدالرحمن بن سعود الشاعر

عبدالرحمن بن سعود

عبدالرحمن بن سعود: رمز خالد في الذاكرة السعودية

عبدالرحمن بن سعود.. رمز رياضي وشاعر مرهف الإحساس، جمع بين قوة القيادة وصدق الكلمة، وترك إرثًا خالدًا في قلوب محبيه وذاكرة الوطن.

في يوم السبت الموافق 7 أغسطس 2004، توقفت القلوب وارتبكت العقول أمام خبر رحيل رجل لم يكن عاديًا، بل كان رمزًا في الساحة الرياضية والأدبية معًا. لقد رحل عبدالرحمن بن سعود، الأمير الذي ارتبط اسمه بالوفاء، والرمز الذي بقي أثره خالدًا في الذاكرة السعودية والعربية. لم يكن الأمير مجرد شخصية رياضية أو رئيس نادٍ من أشهر أندية المملكة، بل كان شاعرًا مختلفًا في حضوره وصدق تعبيره، وصوتًا لم يخشَ أن يقول الكلمة واضحة في وجه من يقف أمامه، مؤمنًا أن الصدق هو الطريق الأقصر لبلوغ القلوب. ولعل هذا ما جعل الكثيرين يجتمعون على حبه، حتى وإن اختلفوا معه في الرأي أو الموقف.

كان عبدالرحمن بن سعود شخصية فريدة تحمل من التناقض الجميل ما يجعلها أكثر ثراءً. فهو من جهة رجل رياضي عاشق لناديه ومدافع عنه بشجاعة، ومن جهة أخرى شاعر مرهف الإحساس كتب قصيدته كما أراد قلبه، بعيدًا عن قيود السوق والطلب. لم يكن بحاجة إلى أن يشتري الشعر أو يستعيره، بل كان يملكه بالفطرة، يسكبه كما يشاء، ويتركه يتغلغل في أعماق السامعين، لأن ما خرج من القلب وصل مباشرة إلى القلب. وفي زمنٍ كثرت فيه الأقنعة والزيف، كان حضور الأمير مختلفًا، يحمل الصدق ويزرع المودة.

إن الحديث عن عبدالرحمن بن سعود ليس مجرد استذكار لسيرة رجل مضى، بل هو استدعاء لروح فريدة ظلت تسكن في ذاكرة الناس، بين محبيه ومخالفيه على حد سواء. لقد كان إنسانًا قادرًا على أن يجمع حوله من يختلفون، لأن شخصيته كانت أوسع من مجرد انتماء رياضي أو مناسبة شعرية، بل كانت تجسد نموذجًا للقيادة الشعبية التي تتجاوز حدود المنصب الرسمي لتسكن القلوب بلا استئذان. وحين نقول إنه كان “رمزًا”، فنحن لا نبالغ، لأن الرمزية الحقيقية لا تُفرض ولا تُصنع، بل تُبنى مع الزمن وتثبت بالمواقف.

لقد ارتبط اسم عبدالرحمن بن سعود بتاريخ الرياضة السعودية، لكن القليلين يدركون أن الشعر كان يسكنه بعمق، وأن القصيدة كانت تسير في دمه كما تسري كرة القدم في وجدانه. كتب عن الحب بصدق العاشق، وغزل بحس المرهف، وردّد أبياته أصدقاء ومحبون. لم يكن غزله مصطنعًا أو مقيدًا بحدود، بل كان بسيطًا، صادقًا، قريبًا من روح المتلقي. ومن يقرأ أبياته مثل:

“كلمة ولو جبر خاطر
والإسلام من بعيد
والا رسالة يا هاجر
بيد ساعي البريد”

يدرك أن هذا الرجل كتب بلغة الناس، وعاش بينهم، لا متعالياً ولا متكلفًا. لقد كان الشعر عنده وسيلة للتواصل الإنساني قبل أن يكون وسيلة للتفاخر أو البحث عن الشهرة.

ورغم أن الأضواء الإعلامية ركزت غالبًا على شخصية عبدالرحمن بن سعود الرياضية، إلا أن الوجه الشعري ظل حاضرًا عند من عرفوه عن قرب، فهو لم ينسَ الشعر ولم يتخلَّ عن القصيدة، حتى وإن أشغله عنها عالم المستديرة. كان سريع البديهة، حاضر الحجة، واسع الثقافة، موسوعي المعرفة، وهي صفات تجعل منه شاعرًا لا يشبه غيره. ولعل أجمل ما في سيرته أنه بقي صادقًا مع نفسه حتى اللحظة الأخيرة، لم يجامل على حساب الحق، ولم يخشَ أن يغضب البعض حين يواجههم بالحقيقة.

إن رحيل عبدالرحمن بن سعود لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان محطة حزينة في تاريخ الساحة السعودية، لأنه جمع بين مكانتين قلّما اجتمعتا في شخص واحد: مكانة الرياضي القيادي ومكانة الشاعر الملهم. لذلك كان وداعه مزيجًا من الأسى والاعتزاز، الأسى لفقدان رجل نادر، والاعتزاز لأنه ترك إرثًا خالدًا لا يزول. من عرفه عن قرب أدرك أن هذا الرجل لم يكن يبحث عن المجد الشخصي أو الشهرة الزائفة، بل كان يسعى لأن يترك أثرًا صادقًا في قلوب الناس.

إن قيمة عبدالرحمن بن سعود الحقيقية لا تقاس بعدد الألقاب الرياضية التي حققها، ولا بعدد القصائد التي كتبها، بل تقاس بقدرته على أن يكون صادقًا، محبوبًا، حاضرًا في الوجدان. لقد ترك في الدنيا “دوياً” كما يقول البيت الشعري الشهير، دويًا من الذكر الحسن والدعاء الطيب، وذاكرة لا تنطفئ مهما تعاقبت السنوات.

واليوم، ونحن نستعيد سيرته بعد أكثر من عقدين، ندرك أن رحيله لم ينهِ حضوره، بل جعل اسمه أكثر رسوخًا في الذاكرة الجمعية. فما زال الناس يذكرونه بابتسامة حانية، ويستعيدون مواقفه الصريحة، ويقرأون أشعاره التي كتبت بصدق. ولعل أجمل تكريم يمكن أن نقدمه له هو أن نستمر في ذكره بالخير، وأن نروي للأجيال القادمة أن في تاريخنا رجلًا اسمه عبدالرحمن بن سعود جمع بين الرياضة والشعر، وبين القوة والصدق، وبين الحزم والإنسانية.

رحم الله الأمير الشاعر، وأسكنه فسيح جناته، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وغفر له ولوالدينا ولجميع موتى المسلمين.

الوفاء سمة لا تغيب عن الأقلام الصادقة، والرثاء ليس بكاءً بقدر ما هو تخليد لمعاني الرجولة والإنسانية. ولمن يرغب بالاطلاع على نصوص مشابهة، يمكن قراءة وداع سلطان ووفاء عبدالله، ورحيل الإنسان سلمان، وورحل رضيمان.

عبدالرحمن بن سعود

مقالات ذات صلة

مدارات التقت حامد زيد وهو على السرير الأبيض

السامر على قناة الواحة في حلقة خاصة

الشعر الشعبي بلاط جامعة الملك سعود

ماجد الشلهوب:طرح مساهة الياسمينة شمال الرياض السبت المقبل

في ليلة جمعت الشعر بالصحافة راديو وتلفزيون العرب يحتفي بالسامر

يا زبن لا تكتب بصفحة مدارات